جلس وزير البحرية الأمريكي المستقيل، جون فيلان، في ردهة الجناح الغربي في البيت الأبيض لأكثر من ساعة، منتظراً مقابلة صديقه وجاره القديم، الرئيس دونالد ترامب، لينقذه من قرار الإقالة الذي أصدره ضده وزير الحرب الأمريكي، بيت هيجسيث. لكنه غادر خائب الأمل.
خيار الإقالة أو الاستقالة
في ذلك اليوم، تلقى فيلان، البالغ من العمر 62 عاماً، اتصالاً هاتفياً من هيجسيث، يطالبه فيه بالاختيار بين الإقالة أو الاستقالة، بعدما أمضى معظم يوم الأربعاء 22 إبريل في مبنى الكابيتول، حيث التقى بالمشرعين لمناقشة بناء السفن البحرية وطلب ميزانية البنتاجون.
رفض فيلان في البداية قبول قرار الإقالة، متمسكاً بفرصة أخيرة للتواصل المباشر مع ترامب، في محاولة اعتُبرت "الورقة الأخيرة" لإنقاذ مستقبله، قبل أن يكسب هيجسيث الجولة بضربة فاضية، بدعوى عدم تحقيق فيلان تقدماً كافياً في أولويات بناء الأسطول البحري الأمريكي، بما في ذلك مشروعات توسعة "الأسطول الذهبي".
أحلام ترامب أوامر
الأسطول الذهبي هو مشروع يتضمن إنشاء قوات بحرية جديدة، ويتألف من سفن أطلق عليها طراز "ترامب"، وهي سفن مصنفة كبوارج حربية، إضافة إلى غواصتين هجوميتين من فئة "فرجينيا"، وغواصة صواريخ باليستية من فئة "كولومبيا"، ومدمرة صواريخ موجهة من فئة "آرلي بيرك"، وفرقاطة متعددة المهام، بتكلفة تبلغ حوالي 66 مليار دولار.
أحلام ترامب الباحث عن مجد شخصي - مثل إضافة تمثاله إلى نصب تذكاري في جبل راشمور، وربط تمويل مشروع لتحسين حركة القطارات بين نيويورك ونيوجيرسي بإطلاق اسمه على محطة الوصول النهائية، وإضافة اسمه إلى اسم مركز جون كينيدي للفنون في واشنطن - كانت السبب الرئيسي في الإطاحة بصديقه وجاره القديم من منصبه في لحظة حساسة، مع قيام القوات البحرية الأمريكية بفرض حصار على الموانئ والسفن الإيرانية، والحفاظ على وجود عسكري أمريكي كثيف حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز العالمي في أوقات السلم.
وبحسب جريدة "نيويورك تايمز"، فإن فيلان قال لترامب: إن البحرية الأمريكية قد تضطر للاعتماد على أحواض بناء السفن الأوروبية لتسليم البوارج ضمن الجدول الزمني الطموح الذي وضعه الرئيس الأمريكي. وهذا يتناقض مع ادعاء ترامب السابق بأن البوارج التي تحمل اسمه ستبنى بالكامل في الولايات المتحدة، باستخدام الفولاذ الأمريكي.
عندما يختلف اللصوص، تتساقط الأقنعة
يقولون: عندما يختلف اللصوص، تتساقط الأقنعة. مقولة جسدتها تسريبات إعلامية ربطت بين استقالة فيلان واستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، جوزيف كينت، في مارس الماضي، حيث قال: "الحرب على إيران تفتقر إلى التبرير؛ ولا يمكنني دعم الحرب الجارية في إيران بضمير مرتاح. طهران لم تكن تشكل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، ومن الواضح أننا بدأنا هذه الحرب نتيجة ضغوط من إسرائيل ولوبيها القوي في الولايات المتحدة".
وبحسب التسريبات، فإن فيلان وصف قرار شن الحرب على إيران بأنه "جاء مدفوعاً بأهداف تجارية، وأن الجيش الأمريكي جرى الزج به في حرب ذات حسابات اقتصادية وسياسية معقدة".
لكن بالعودة إلى نص الاستقالة التي أُجبر فيلان على تقديمها، وصف صديق ترامب وجاره القديم فترة توليه منصب وزير البحرية بأنها "شرف العمر"، قائلاً: "لقد سعينا جاهدين لتحويل الاستراتيجية إلى واقع ملموس، وتحويل الأهداف المالية إلى قدرات تشغيلية، والموارد إلى جاهزية فعلية في البحر وفي ساحة المعركة"، مقراً في الوقت ذاته بأن "القيادة على هذا المستوى لا تخلو من التحديات".
ترامب: ادفع كي تنال البركة
حصل فيلان، الذي منحه ترامب منصب وزير البحرية الـ79 في تاريخ الولايات المتحدة، على ماجستير إدارة الأعمال من كلية هارفارد للأعمال، وبكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة ساوثرن ميثوديست، ويحمل شهادة في الدراسات العامة مع التركيز على الاقتصاد والعلاقات الدولية من كلية لندن للاقتصاد.
وقبل أن يمنحه ترامب بركة الانضمام إلى إدارته، كان فيلان رجل أعمال ومؤسساً ورئيساً لشركة "روجر مانجمنت"، وهي شركة استثمار خاصة، كما شغل منصب رئيس مجلس أمناء مؤسسة الخيار الثالث، وعضواً في مجلس إدارة مؤسسة روح أمريكا، ومتحف أسبن للفنون. وهو عضو في منظمة رجال الأعمال التنفيذيين للأمن القومي، وعضو في مجلس مستشاري عميد كلية هارفارد للأعمال، والمجلس الاستشاري لأمريكا الشمالية لكلية لندن للاقتصاد.
وفي عام 2024، استضاف ترامب فيلان في عشاء لجمع التبرعات في منزله بولاية كولورادو، حيث بلغت تكلفة الحضور حداً أدنى قدره 25 ألف دولار للشخص الواحد. وكان فيلان أحد المتبرعين لحملة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً"، وأحد كبار المتبرعين للحزب الجمهوري، حيث قدم أكثر من 1.8 مليون دولار لدعم مرشحيه.
عسكرة عقلية الشركات
كغيره من نخبة ترامب، شكلت ملايين الدولارات المعلنة، إلى جانب أموال غير معلنة، بوابة دخول فيلان إلى قلب وعقل ساكن البيت الأبيض، ضمن سياسة عُرفت إعلامياً بـ"عسكرة عقلية الشركات" (Militarization of Corporate Mindset). وتهدف هذه السياسة إلى دمج قيادات الشركات داخل الهياكل العسكرية التقليدية في الولايات المتحدة، ويتبناها بقوة وزير الحرب الأمريكي هيجسيث، الذي يفتقر بدوره إلى الخبرة العسكرية بشكل شبه كامل، إذ جاء به ترامب من مجال الإعلام ليجلسه على عرش البنتاجون.
وتعد هذه السياسة، التي تمزج منطق إدارة الشركات بنمط عمل مؤسسات الدولة، أحد أبرز المسارات لاعتلاء قمة الهرم السياسي والعسكري في ظل ولاية ترامب الثانية، حيث برز رجال أعمال في مواقع تفاوض ودبلوماسية رغم غياب الخبرة التقليدية في هذه المجالات. ويكفي أن اثنين من أبرز المفاوضين الدبلوماسيين للرئيس الأمريكي هما ستيف ويتكوف، رجل الأعمال في قطاع العقارات دون خبرة دبلوماسية سابقة، وجاريد كوشنر، صهر ترامب.
بين يوم وليلة، وجد فيلان نفسه أعلى مسؤول مدني في البحرية الأمريكية في مارس 2025، ليصبح مسؤولاً عن عدة ملفات، من بينها الإشراف على التجنيد، وبناء وإصلاح السفن والمعدات العسكرية، وجاهزية وتطوير نحو مليون بحار وجندي مشاة بحرية وقوات احتياط وموظف مدني في البحرية الأمريكية، رغم عدم امتلاكه أي خبرة سابقة في القيادة العسكرية أو شؤون الدفاع.
وكعادته، تجاهل ترامب تلك الانتقادات، واصفاً صديقه وجاره القديم بأنه "قوة كبيرة ستدعم القوات البحرية وستجعل مصلحة البحرية الأمريكية في المقدمة".
فضائح إبستين الجنسية، الرابط الأقوى بين نخبة ترامب
في ظل ضعف الخبرة العسكرية، أثارت فترة بقاء فيلان في المنصب حالة كبيرة من الجدل. كما أشارت تقارير إعلامية إلى أن اسمه ورد في سجلات رحلات طائرة ملياردير الجنس الأمريكي الراحل جيفري إبستين، الرابط الأقوى بين نخبة ترامب.
يقول السيناتور الديمقراطي والعضو البارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، جاك ريد: "أشعر بالقلق من أن هذا يعكس مرة أخرى حالة عدم الاستقرار والخلل التي باتت تميز وزارة الدفاع في عهد الرئيس ترامب ووزير الدفاع هيجسيث".
قصة جون فيلان إذن لا تبدو مجرد إقالة عابرة لمسؤول مدني في مؤسسة عسكرية بيد "أحمق"، بقدر ما تعكس نمطاً أعمق في إدارة السلطة خلال ولاية ترامب الثانية؛ حيث تختلط الولاءات الشخصية بحسابات المال، وتستبدل الخبرة المهنية بمعايير القرب السياسي، وتتحول "أموال الحصول على البركة" إلى بوابة عبور نحو مواقع النفوذ.



