من سرقة الرمان إلى قلوب الملايين، تروي حكاية جنينة غزالي في صعيد مصر قصة إلهام فريدة جمعت بين الطفولة المشاغبة والشعر الراقي. هذه البقعة السحرية في قرية أبنود بمحافظة قنا لم تكن مجرد بستان فاكهة، بل كانت الملهم الأول لواحدة من أجمل كلاسيكيات الغناء العربي، وهي أغنية "مال عليا مال" التي غنتها الفنانة فايزة أحمد.
حكاية سرقة الرمان من جنينة غزالي
في قلب قرية أبنود، كانت جنينة آل غزالي تفيض بخيرات الرمان والجوافة والليمون. حكى الشاعر عبدالرحمن الأبنودي بأسلوبه الساخر في تصريحات صحفية سابقة أنه كان يتسلل مع رفاقه الصغار لخطف حبات الرمان من تلك الجنينة العريقة. هذه المغامرة الطفولية لم تذهب سدى، بل تجسدت في عام 1968 عندما كتب لفايزة أحمد أغنيتها الشهيرة "مال عليا مال".
يقول مطلع الأغنية: «مال عليا مال.. فرع من الرمان.. قلبي الأخضر شمعة ورقصت فوق الشمعدان». استدعى الأبنودي صورة بستان عم غزالي في كلماته، ليحول ذكرى شغب الطفولة إلى حالة رومانسية فريدة أبدع في تلحينها محمد سلطان، الذي نقل الأغنية من إطارها الشعبي إلى رقي الكلاسيكيات.
الرمان في التراث المصري
لم يكن ذكر الرمان في أغاني الأبنودي مجرد صدفة؛ فهذه الفاكهة هي ثمرة الجنة التي عرفها المصريون القدماء وارتبطت لديهم بالحب والخصوبة. يذكر المؤرخ وليم نظير أن الملك تحتمس الثالث هو من جلبها من سوريا، لدرجة أن صورها لا تزال تزين جدران القاعة النباتية بمعبد الكرنك، وهي ذاتها الثمار التي خلدها الأبنودي بصوت كروان الشرق.
أين اختفت جنينة غزالي؟
الزمن لم يترك جنينة غزالي كما كانت. فاليوم تغيرت ملامح القرية العريقة، وبحسب شهادة أدباء من القرية، فإن الجنينة التي كانت شاهدة على طفولة الخال تحولت الآن إلى منازل، وغاب شجر الرمان ليحل محله العمران. ورغم اختفاء البستان، يظل مسجد المناضل أحمد عزب الأبنودي وقصص المقاومة ضد الحملة الفرنسية تحكي عظمة هذه القرية التي أهدت مصر واحداً من أعظم شعرائها.
هكذا تبقى قصة جنينة غزالي حية في الذاكرة الشعبية، من خلال أغنية ترددها الأجيال، وتذكرنا بأن الإبداع يمكن أن ينبثق من أبسط لحظات الحياة، حتى من سرقة حبة رمان في طفولة شاعر.



