غيب الموت المحامي والمفكر مختار نوح، أحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بصراعات التحول داخل تيار الإسلام السياسي في مصر. لم يكن مجرد محام شهير، بل كان دينامو العمل النقابي والبرلماني لجماعة الإخوان في الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن يخوض رحلة الخروج الكبير التي جعلت منه أحد أهم مراجعي الفكر القطبي في العصر الحديث.
بداية العلاقة مع الإخوان والانشقاق
بدأت علاقة مختار نوح بالإخوان في وقت مبكر، حيث صعد نجمه كعضو بمجلس الشعب وكعضو بارز في نقابة المحامين. كان يُنظر إليه كواجهة حضارية وقانونية للجماعة، لكن نقطة التحول بدأت من خلف القضبان نهاية التسعينيات، حين أدين في قضية النقابيين عام 1999 وأحيل مع مجموعة من قيادات الجماعة المهنيين إلى المحاكمة العسكرية. وُجهت إليهم تهمة إحياء تنظيم محظور واستغلال النقابات المهنية كغطاء لأنشطة الجماعة وتمويلها. قضت المحكمة العسكرية بسجنه لمدة 3 سنوات، وهي الفترة التي تركت أثرًا عميقًا في وجدانه وفكره.
نقطة التحول في السجن
تعتبر فترة السجن هي المختبر الذي ولدت فيه مراجعات مختار نوح. رصد في مذكراته عدة أسباب لذلك، على رأسها اكتشاف الاستعلاء التنظيمي، حيث اصطدم داخل السجن بطريقة إدارة قيادات الجماعة للأزمات. شعر أن التنظيم يضحي بالأفراد مقابل بقاء المرشد والمكتب العام، وهو ما وصفه بـ "عبادة التنظيم".
بدأ نوح يراجع أدبيات سيد قطب التي كانت تدرس للشباب داخل المعتقلات، واكتشف أنها تؤسس لانقسام مجتمعي وتكفير ضمني، وهو ما رفضه جملة وتفصيلًا. أعلن خروجه الرسمي عن الجماعة بعد أن اتهمها باختطاف الشباب بعيدًا عن جوهر الدين والوطنية.
الإرث الفكري والمراجعات
ترك مختار نوح إرثًا فكريًا غنيًا حاول فيه توثيق تجربته وتقديم رؤية نقدية. من أهم أعماله كتاب "موسوعة العنف" الذي فكك فيه الأسس الفقهية التي تستند إليها التنظيمات المتطرفة. سجل أيضًا العديد من المواقف القوية ضد ما أسماه "أخونة الدولة"، وكان من أهم معارضي فترة حكم الإخوان 2012-2013. استخدم خبرته القانونية في كشف محاولات السيطرة على مفاصل القضاء والدولة، واعتبر أن الجماعة أثبتت فشلها في الانتقال من التنظيم السري إلى مؤسسات الدولة.
تكمن خطورة مختار نوح بالنسبة للإخوان في كونه شاهدًا من أهلها؛ فهو لم ينتقد الجماعة من فراغ، بل من واقع معرفته الدقيقة بهياكل التمويل، وآليات صنع القرار، ونقاط الضعف الشخصية لقياداتها. قبل رحيله، مثل تيار المراجعة الذاتية الذي يؤمن بأن الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالخطأ، مما جعل شهاداته التليفزيونية ومقالاته مرجعًا أساسيًا لكل باحث في تاريخ الجماعة وصداماتها مع الدولة المصرية.



