الإعلامي جابر القرموطي يكتب: عرفت «الوطن» من حُب الوطن. لم تكن «الوطن» مجرد صحيفة ظهرت في توقيت عابر، بل كانت نتاج لحظة فارقة في تاريخ مصر، لحظة كانت فيها البلاد تُعيد تشكيل نفسها على الصعيد السياسي والإعلامي بعد ثورة يناير. منذ صدور عددها الأول في 27 أبريل 2012، لم تكتفِ بأن تكون رقماً جديداً في سوق مزدحم، بل اختارت أن تكون فاعلاً أساسياً في مشهد شديد السيولة، يشتعل بالأحداث والأسئلة والاحتمالات.
في هذا المناخ المضطرب، راهنت «الوطن» على الجرأة دون الانفصال عن الواقع، واقتربت من نبض الشارع، لا لتواكبه فقط، بل لتفهمه وتُعيد طرحه في صورة خبر وتحليل يليق بعقل قارئ يبحث عن المعنى بقدر ما يبحث عن المعلومة. لم تكن تغطياتها مجرد نقل لما يحدث، بل محاولة لفهم ما وراء الحدث، وطرح الأسئلة التي تشغل بال الناس. ورغم صعوبة المنافسة في مشهد إعلامي مزدحم ومشحون، استطاعت أن تحجز لنفسها مساحة واضحة، مُستندة في ذلك إلى محتوى متنوع، وقدرة على قراءة التحولات المتلاحقة.
قيادات الجريدة: من مجدي الجلاد إلى مصطفى عمار
تعاقب على قيادتها عدد من رؤساء التحرير الذين أسهموا في ترسيخ هويتها المهنية القائمة على المسؤولية، والتطوير المستمر، والإيمان بأن الصحافة ليست مجرد مهنة فقط، بل دور مجتمعي مؤثر. وكانت البداية من بصمة كتب فصلها الأول «مجدي الجلاد» أول رئيس تحرير لها، والذي منحها حضوراً مؤثراً في المشهد الإعلامي، بعد أن رسخ صحافة المانشيت الجريئة، مع التركيز على قضايا الشارع ونبض المواطن ومواكبة التحولات السياسية والاجتماعية في مصر. ثم واصل «محمود مسلم» المسيرة بتعزيز المهنية وتوسيع دوائر التأثير، وتلاه «أحمد الخطيب» الذي ركز على تطوير المحتوى وتحديث أساليب العرض، وصولاً إلى الدؤوب «مصطفى عمار» رئيس التحرير الحالي، والذي حافظ على هوية الجريدة، مع مواكبة التحول الرقمي، وتعزيز حضورها الإلكتروني.
ولا يمكن إغفال دور الراحل «محمود الكردوسي»، الذي ترك أثراً مُمتداً في مسيرة الجريدة بكتابته الجريئة، بينما يواصل اليوم «الدكتور أحمد محمود»، رئيس مجلس الإدارة، البناء على هذا الإرث بروح عصرية. وقد شَرفت بالعمل معه في بدايات تجربة «اليوم السابع» عندما كنت مُشرفاً على قسم الاقتصاد، فهو مُخرج مُبدع، يمتلك رؤية فنية مميزة وصاحب بصمة واضحة في الساحة الإعلامية والإخراجية. ولا أود أن أنسى أحداً، هناك قامات كثيرة كالزميل العزيز محمد مسعد، الذي يتولى قسم التصوير، وهو مُصور بارع وله تاريخ طويل ومميز في عالم التصوير.
الوطن في عيون القرموطي: أكثر من جريدة
أما «الوطن» التي عرفتها عبر برنامجي الذي أعتز به في حياتي المهنية «مانشيت»، فلم تكن مجرد جريدة تُقرأ صباحاً، بل مادة يومية للنقاش، ومنطلقاً لفتح ملفات شائكة، وشرارة لحوارات ساخنة تعكس ما يدور داخل المجتمع. كانت عناوينها جريئة، ومواقفها تستحق التوقف، وحضورها يتجاوز الورق إلى التأثير الحقيقي. وفي بداية عامها الخامس عشر، لا تحتفل «الوطن» برقم بقدر ما تحتفي بمسيرة من العمل صنعت خلالها مكانة راسخة، مدعومة بأكثر من 90 جائزة صحفية، وشبكة انتشار رقمي واسعة تجاوزت الـ22 مليون متابع على «فيس بوك» وحده (على حسب معلومات بعض الزملاء ومتابعتي اليومية للصحف)، إلى جانب حضور قوي على باقي المنصات.
ورغم هذا النجاح، لم تتوقف الجريدة عند حدود الشكل التقليدي، بل طورت أدواتها، فتبنت صحافة الفيديو مبكراً، وقدمت محتوى بصرياً يُلامس حياة الناس، إلى جانب تحقيقات وملفات معمقة تناولت قضايا حقيقية، وأسهمت في بناء وعي عام. وبحكم متابعتي اليومية لما تنشره الصحف أتصور -ويشاركني هذا الرأي كثيرون- أن قسم التحقيقات في «الوطن» يحتل مكانة متقدمة بين أهم أقسام التحقيقات في الصحافة المصرية، ويتصدر المشهد أحياناً في أكثر من ملف.
التطوير المستمر: من الصحافة الورقية إلى الرقمية
كما بادرت «الوطن» في طريق التطوير بإطلاق عدد من المبادرات والقرارات الصحفية التي تصب في صالح المهنة والقارئ، إيماناً منها بأن الصحافة شريك في التنمية وليست مجرد مراقب، وتوسعت في عام 2025 بإطلاق «مجلة الوطن العربي» المتخصصة لتقديم تحليل أعمق للقضايا الدولية، في خطوة تعكس إدراكها لتحولات المشهد الإعلامي. ولم تغفل الجانب الثقافي والفني، بإصدارات مميزة في مجال الدراما، وهو ما ساهم في إثراء المحتوى الفني، وتوثيق الحركة الدرامية برؤية نقدية واعية.
معارك الوطن: مواجهة الإخوان والحرق مرتين
خاضت «الوطن» أيضاً معاركها، خصوصاً في مواجهة جماعة الإخوان، وتعرضت في مقابل ذلك لأكبر حملة تشويه واعتداءات وصلت لحد حرق مقر الجريدة مرتين، لكنها خرجت أكثر صلابة، وأكثر تمسكاً بدورها في الدفاع عن الحقيقة. «الوطن» التي نعرفها اليوم ليست مجرد صحيفة، بل تجربة إعلامية متكاملة، تحاول أن توازن بين الخبر والتحليل، وبين الحضور الرقمي والعمق التحريري. هي قصة جريدة بدأت من قلب التحولات، وما زالت تحاول أن تبقى في قلبها حيث تكون الحقيقة.
تحية تقدير واعتزاز لجريدة «الوطن»، ولكل من ينتمي إليها من صحفيين وعاملين، وللقيادات التي صنعت هذا الكيان المهني على مدار 14 عاماً من العطاء، كانت وما زالت صوتاً نابضاً بالحقيقة ومواكبة لهموم الناس. نتمنى لها دوام التألق، وأن تبقى منبراً حراً يعكس نبض الشارع ويصون شرف الكلمة.



