عصر جديد من الحروب.. العيون الخفية تحسم المعارك قبل أن تبدأ
العيون الخفية تحسم المعارك العسكرية قبل أن تبدأ

في عالم تتوارى فيه القرارات الكبرى خلف جدران صامتة، لم تعد الحروب تُعلن بصوت المدافع، بل تبدأ همساً بإشارة إلكترونية، أو صورة حرارية، أو طائرة بلا طيار تحلِّق على ارتفاع لا يُرى. في هذا «الفضاء الرمادي»؛ حيث تختلط السياسة بالتكنولوجيا، تتكشف ملامح عصر جديد من الصراع، كما يرصده الملف الاستراتيجي الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أحد أقدم وأهم المراكز البحثية العالمية، والذي يتخذ من بريطانيا مقراً رئيسياً له، بعنوان: «الطائرات غير المأهولة: الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والردع والحرب».

ملامح عصر جديد من الصراع

يرسم الملف الاستراتيجي ملامح عصر جديد من الصراع؛ حيث تتداخل البيانات مع القرار، وتُختصر المسافات بين الرؤية والفعل، وتُعاد صياغة مفاهيم الردع والسيادة. فالطائرات بدون طيار، في هذا السياق، ليست مجرد أدوات، بل مؤشرات على تحوُّل أعمق في طبيعة القوة؛ حيث لم يعد من يملك السلاح فقط هو الأقوى، بل من يرى أولاً، ويفهم أسرع، ويُقرر في الوقت المناسب.

الطائرات بدون طيار: من تقنية هامشية إلى ركيزة أساسية

الملف الاستراتيجي الجديد لا يتعامل مع الطائرات بدون طيار بوصفها مجرد أدوات عسكرية، بل باعتبارها أحد أبرز تجليات التحول العميق في بنية القوة العالمية. فخلال العقود الثلاثة الماضية، انتقلت هذه الطائرات من كونها تقنية هامشية تُستخدم في مهام محدودة، إلى عنصر مركزي في العمليات العسكرية الحديثة، بل إلى ركيزة أساسية في منظومة الردع ذاتها. فأصبحت «العين التي لا تنام»، والتي تُراقب وتُحلل وتُغذي مراكز القرار بمعلومات لحظية، تُختصر فيها المسافة بين الحدث والتفاعل إلى حد غير مسبوق.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

منظومة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR)

في قلب هذا التحول تقف منظومة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، أو ما يُعرف اختصاراً بـ«ISR». هذه المنظومة لم تعد تقتصر على جمع المعلومات، بل تشمل سلسلة متكاملة من العمليات تبدأ بتحديد الحاجة الاستخباراتية، مروراً بجمع البيانات عبر منصات متعددة -من الأقمار الصناعية إلى الطائرات غير المأهولة- ثم معالجتها وتحليلها، وصولاً إلى تحويلها إلى «ذكاء قابل للاستخدام» يُعرض على صانع القرار في الوقت المناسب. هذه السلسلة كانت تستغرق في الماضي أياماً أو أسابيع، أما اليوم فتُدار في زمن شبه فوري، مما غيّر جذرياً من طبيعة اتخاذ القرار العسكري والسياسي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مفارقة المعلومات: امتلاكها لا يعني منع الأحداث

غير أن هذا التقدم التقني الهائل يكشف، في الوقت ذاته، عن حدود صلبة لا يمكن تجاوزها بسهولة. فالملف الاستراتيجي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية يسلط الضوء على واحدة من أبرز المفارقات في الحروب الحديثة، وهي أن امتلاك المعلومات لا يعني بالضرورة القدرة على منع الأحداث. وضرب الملف المثل بالحرب «الروسية - الأوكرانية»؛ فقبل أيام من الغزو، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يمتلكون قدراً كبيراً من المعلومات الدقيقة حول نوايا موسكو؛ حيث تم رصد الحشود العسكرية، وتحليل التحركات، بل وحتى التحذير العلني من نية الغزو، ومع ذلك، لم يتغير مسار الأحداث.

ويؤكد الملف أن طبيعة الردع نفسه لا تقوم فقط على المعرفة، بل على القدرة والإرادة في فرض كلفة غير مقبولة على الطرف الآخر. في الحالة الأوكرانية، يبدو أن القيادة الروسية قدّرت أن المكاسب المحتملة تفوق المخاطر، أو على الأقل أنها قابلة للاحتواء. وهنا يظهر أن الاستخبارات، رغم أهميتها، تظل عنصراً ضمن منظومة أوسع، تتداخل فيها السياسة، والاقتصاد، والإدراك النفسي لصانع القرار.

الحرب في أوكرانيا: مختبر للطائرات غير المأهولة

الحرب في أوكرانيا، كما يقدمها الملف الاستراتيجي، لم تكن مجرد اختبار لقدرات الجيوش، بل كانت أيضاً ساحة لتجريب نماذج جديدة من القتال، تتصدرها الطائرات غير المأهولة «الدرونز». هذه الطائرات لم تعد تؤدي دوراً واحداً، بل أصبحت متعددة الوظائف، تجمع بين الاستطلاع والهجوم، وتعمل ضمن شبكات مترابطة تُعرف بـ«سلاسل القتل الممتدة»؛ حيث يتم رصد الهدف، وتحليله، واتخاذ قرار استهدافه، وتنفيذ الضربة خلال فترة زمنية قصيرة للغاية، لم تكن متاحة من قبل.

وظهرت أيضاً أنواع جديدة من الطائرات، مثل الطائرات الانتحارية التي تُستخدم لمرة واحدة، والطائرات التي تُدار من منظور الشخص الأول، والتي تمنح المشغل قدرة شبه مباشرة على التحكم في مسار الضربة. هذه الابتكارات لم تُغير فقط من تكتيكات القتال، بل أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والسلاح؛ حيث أصبح الجندي، في كثير من الأحيان، بعيداً عن ساحة المعركة، يديرها عبر شاشة فقط.

تحديات تضخم المعلومات

لكن هذا التحول لا يخلو من تحديات معقدة؛ فمع تزايد عدد المنصات وتنوع مصادر البيانات، أصبحت الجيوش تواجه ما يمكن وصفه بـ«تضخم المعلومات». فلم يعد التحدي في الحصول على البيانات، بل في فرزها وتحليلها واستخلاص ما هو مهم منها في الوقت المناسب. هذه العملية تتطلب بنى تحتية متقدمة، وخوارزميات تحليل متطورة، وقدرة بشرية على التفسير واتخاذ القرار تحت ضغط الزمن.

المستقبل: طائرات قتالية تعاونية تعتمد على الذكاء الاصطناعي

أما المستقبل الذي يرسمه الملف الاستراتيجي، فهو يحمل في طياته تحولات أعمق؛ فالجيل القادم من الطائرات غير المأهولة لن يكتفي بجمع المعلومات أو تنفيذ المهام المحددة، بل سيتحول إلى شريك فعلي في القتال، يعمل جنباً إلى جنب مع الطائرات المأهولة، ويعتمد بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي. هذه الأنظمة، التي تُعرف أحياناً باسم «الطائرات القتالية التعاونية»، تهدف إلى تعزيز الكتلة القتالية، وتقليل المخاطر على الطيارين، وتوسيع نطاق العمليات.