في لحظة فارقة تعيد رسم ملامح العلاقة بين السلطة والمعرفة، تتكشّف داخل الولايات المتحدة أزمة مركبة، لم تعد تقتصر على خلافات حول مخصّصات البحث العلمي أو أولويات التمويل، بل امتدت إلى جوهر التوازن التاريخي الذي حكم العلاقة بين العلماء والدولة لعقود. فمع تصاعد الضغوط السياسية على المؤسسات العلمية، بات واضحاً أن المعركة الدائرة اليوم تتجاوز الأرقام إلى محاولة إعادة تعريف دور العلم ذاته داخل المجال العام، في ظل مناخ سياسي يتّسم بالاستقطاب الحاد.
نهاية العقد الاجتماعي بين العلم والدولة
تعتبر صحيفة «الجارديان»، في تقرير لها، أن «الحرب» التي شنّتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مختلف المؤسسات الفيدرالية في الولايات المتحدة، لم تقتصر على تقليص الموارد، بل حملت في طياتها توجّهاً لإعادة توجيه البوصلة العلمية وفق اعتبارات أيديولوجية. ورغم أن الرئيس الجمهوري سعى، خلال العام الماضي، إلى خفض التمويل الفيدرالي للبحوث العلمية والطبية بنحو النصف، في خطوة وُصفت بأنها «غير مسبوقة»، فإن الكونجرس تدخّل في فبراير الماضي، ليُقر ميزانية تتضمّن زيادة طفيفة في إجمالي الإنفاق، في دلالة على استمرار وجود حد أدنى من التوافق السياسي الداعم للعلم، حتى إن طالت التخفيضات مؤسسات بعينها، مثل «مراكز السيطرة والوقاية من الأمراض».
وتؤكد الصحيفة البريطانية أن هذا «التوازن الهش» لم يمنع استمرار الضغوط على القطاع العلمي عبر مسارات أخرى، من بينها إعادة هيكلة بعض الهيئات، أو إقصاء قياداتها، كما حدث مع مجلس الإشراف على «مؤسسة العلوم الوطنية». وتعكس هذه الإجراءات توجّهاً أوسع، يسعى لإخضاع المعرفة العلمية لاعتبارات سياسية، في سياق صعود ما يُعرف بـ«الشعبوية اليمينية»، التي تتعامل بحذر، بل وبريبة، مع الخبراء والمؤسسات الأكاديمية.
تحول نوعي في المجتمع العلمي
في مواجهة هذا الواقع، بدأ المجتمع العلمي في الولايات المتحدة يشهد تحولاً نوعياً في سلوكه، حيث لم يعد الاكتفاء بالعمل البحثي خياراً كافياً. فقد كشفت بيانات صادرة عن منظمة «أكشن 314» أن أكثر من 700 عالم تقدّموا بطلبات للحصول على دعمها للترشّح لمناصب عامة، على المستويات المحلية والفيدرالية، وهو رقم غير مسبوق يعكس تنامي القناعة بأن الدفاع عن العلم بات يمر عبر بوابة السياسة. اللافت أن كثيراً من هؤلاء المرشّحين أرجعوا هذا التحول إلى ما وصفوه بـ«الحرب على العلم»، التي تنتهجها الإدارة الأمريكية.
هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن ما كان يُعرف بـ«العقد الاجتماعي» بين العلم والدولة، والذي تبلور عقب الحرب العالمية الثانية، لم يعد قائماً بالصيغة ذاتها. فقد كانت الحكومات، بموجب هذا العقد، تمول الأبحاث مقابل ضمان استقلاليتها عن التدخّل السياسي المباشر، غير أن تصاعد النزعات الشعبوية أضعف هذا التوازن، مع تزايد توظيف القضايا العلمية، من تغيّر المناخ إلى الصحة العامة، كأدوات في الصراع السياسي.
هجمات متكرّرة على العلماء وتقليص التمويل
اللافت في تقرير «الجارديان» أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الولايات المتحدة وحدها، بل تمتد إلى تجارب دولية أخرى تعكس نمطاً متكرراً في تعامل الأنظمة الشعبوية مع العلم. ففي البرازيل، شهدت فترة حكم الرئيس السابق جايير بولسونارو هجمات متكرّرة على العلماء، إلى جانب تقليص التمويل المخصّص للبرامج البيئية. وكذلك في الهند، أقدمت الحكومة الحالية برئاسة ناريندا مودي على حذف «نظرية التطور» من المناهج الدراسية، مما أثار جدلاً واسعاً حول تسييس المعرفة العلمية. أما في المملكة المتحدة، فقد سعت قوى سياسية مثل حزب «الإصلاح» إلى تقليص الإنفاق على سياسات «الحياد الكربوني»، في مؤشر على تصاعد الضغوط على الأجندة العلمية، حتى داخل الديمقراطيات الغربية.
وتشير الصحيفة إلى أنه في ظل هذا السياق، لم يعد العلماء مجرد باحثين يسعون للحصول على التمويل، بل أصبحوا طرفاً فاعلاً في معركة أوسع للدفاع عن استقلال العلم ذاته. فالقضية لم تعد تتعلق بحجم الميزانيات، بل بطبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبمدى قدرة العلم على الحفاظ على موضوعيته في بيئة سياسية متقلبة.
التجارب الحديثة والحروب الثقافية
التجارب الحديثة تشير بوضوح إلى أن الابتعاد عن السياسة لم يعد يوفّر الحماية التي كان يعتقدها كثير من العلماء. فخلال الولاية الأولى لترامب، حذّر بعض الباحثين من أن الانخراط في الاحتجاجات قد يزج بهم في «حروب ثقافية» لا يرغبون في خوضها، إلا أن تطورات السنوات الأخيرة أثبتت أن هذه الحروب وصلت إليهم بالفعل، سواء اختاروا المشاركة أم لا.
وفي المقابل، شهدت الساحة العلمية، خلال العقود الأخيرة، تصاعداً في «تسييس المعرفة» من اتجاهات مُتعدّدة. فمن جهة، عملت تيارات يمينية على التشكيك في نتائج أبحاث المناخ والصحة العامة، في محاولة لتقويض مصداقيتها. ومن جهة أخرى، دفعت تيارات يسارية نحو إعادة النظر في أولويات البحث العلمي، وتعزيز التنوع داخل المؤسسات الأكاديمية. وبين هذين الاتجاهين، اتسعت مساحة التداخل بين العلم والسياسة بشكل غير مسبوق.
في المحصلة، يبدو أن محاولات إخضاع العلم للهيمنة السياسية جاءت بنتائج عكسية، فبدلاً من «ترويض العلماء»، دفعتهم إلى الانخراط في الشأن العام، والدفاع عن استقلاليتهم بوسائل أكثر فاعلية. ومع استمرار هذا الصراع، يبقى مستقبل العلاقة بين العلم والدولة مفتوحاً على احتمالات مُتعدّدة، في عالم تتزايد فيه التحديات التي لا يمكن التعامل معها إلا عبر معرفة علمية مستقلة، وقادرة على الصمود أمام ضغوط السياسة.



