محمود السعدني.. الولد الشقي الذي سجنته آراؤه وحن إلى المنيا وسوهاج
محمود السعدني.. سجين الرأي والحنين إلى المنيا وسوهاج

في مثل هذا اليوم، الرابع من مايو عام 2010، رحل عن عالمنا الكاتب الصحفي الساخر محمود السعدني، أحد أبرز كتاب الصحافة المصرية والعربية، تاركاً إرثاً من الكتابات الساخرة والمذكرات التي وثقت مسيرته الحافلة بالتحديات. عُرف السعدني بـ"الولد الشقي"، وهو لقب أطلقه على نفسه في مذكراته الشهيرة، وجسد من خلاله شخصيته المتمردة على القيود، والمدافعة عن حرية الرأي.

نشأته ومسيرته الصحفية

ولد محمود عثمان إبراهيم السعدني في محافظة المنوفية، وهو شقيق الفنان الراحل صلاح السعدني. بدأ حياته الصحفية في جرائد ومجلات صغيرة، ثم انطلقت مسيرته الكبرى من مجلة "الكشكول" التي كان يصدرها مأمون الشناوي. لاحقاً، انضم إلى جريدة "الجمهورية" التي أصدرها مجلس قيادة الثورة، وكان يرأس مجلس إدارتها أنور السادات، ورئيس تحريرها كامل الشناوي. لكن بعد تولي السادات رئاسة البرلمان، أُبعد السعدني عن الجريدة مع زملائه بيرم التونسي وعبد الرحمن الخميسي. انتقل بعدها إلى مجلة "روز اليوسف" كمدير للتحرير، وكان إحسان عبد القدوس رئيساً للتحرير.

الاعتقال والفصل بسبب الآراء

تعرض السعدني للفصل من العمل والاعتقال أكثر من مرة بسبب كتاباته السياسية المعارضة. اضطر لمغادرة مصر إلى بيروت، حيث كتب بصعوبة في جريدة "السفير". ثم سافر عام 1976 إلى أبو ظبي للعمل كمسؤول عن المسرح المدرسي في وزارة التربية والتعليم بالإمارات، وعمل أيضاً صحفياً في جريدة "الفجر" الإماراتية، ثم انتقل إلى جريدة "السياسة" الكويتية. وفي لندن، أصدر مع آخرين مجلة "23 يوليو" التي كانت تهدف إلى معارضة الرئيس السادات.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مذكرات "الولد الشقي"

في مذكراته "الولد الشقي"، تحدث السعدني عن نفسه قائلاً: "لا أهتم في حياتي إلا بالطعام الجيد والملابس الفاخرة، ولكني لا أشعر بأي رغبة في اقتناء النقود، ولا أسعى للحصول على شيء أتركه لأولادي إلا السمعة الطيبة والذكر الحسن". وأضاف: "تعلمت من تجربة حياتي أن الميراث لا يصنع الرجال، ولكنها التجربة والرغبة في قهر الظروف السيئة. أنا نفسي لم أرث شيئاً إلا الفقر والديون، ومع ذلك استطعت أن أخرج من مصيدة الحياة الضيقة". وعبر عن حزنه لعدم زيارته لبعض محافظات مصر قائلاً: "أشعر دائماً أنني في حاجة إلى المزيد من السفر، ولكنني آسف وحزين لأني لم أذهب إلى بعض بلاد مصر وقراها. أنا مثلاً حتى هذه اللحظة لم أزر محافظة المنيا، ولم أشاهد سوهاج إلا من خلال نوافذ القطار على الطريق إلى أسوان".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

قهوة عبد الله.. مكان العشق

أعرب السعدني عن حبه الشديد لمقهى "عبد الله" في ميدان الجيزة، حيث كان يلتقي بالعديد من الأدباء والشعراء والفنانين. قال: "المكان الذي أعشقه وقضيت فيه أيام عمري هو قهوة عبد الله التي تتوسط ميدان الجيزة. التقيت في هذا المقهى بعشرات من الأدباء والشعراء والفنانين، معظمهم تتلمذت على يديه، وبعضهم زاملته، وبعضهم تأستذت عليه". وأضاف: "نماذج من البشر لن يجود الزمان بمثلهم، اجتمعوا طويلاً ثم انفضوا جميعاً. بعضهم اختطفه الموت، والبعض هرسه الزمن الغادر، وبعضهم طرده الجمود والنكران، إلا أنهم جميعاً من زبدة مصر وسحرها".

مؤلفاته وإرثه الأدبي

بعد مشوار صحفي امتد لأكثر من خمسين عاماً، ترك السعدني عدة مؤلفات، أبرزها مذكراته "الولد الشقي" في أربعة أجزاء، بالإضافة إلى "الطريق إلى زمش"، "مسافر على الرصيف"، "أمريكا يا ويكا"، "الموكوس في بلاد الفلوس"، "المضحكون"، "حمار من الشرق"، "تمام يا أفندم"، "رحلات ابن عطوطة"، وآخرها "قهوة كتكوت".

كلماته قبل الرحيل

قبل وفاته، كتب السعدني على سرير المرض: "مضى قطار العمر وولت سنوات الشباب من بين أصابعي دون أن أدرى. ماتت البسمة على شفتي لا أدرى لماذا، وانهارت ذاكرتي حتى شعري راح يتآكل كأنه فروة خروف جربان. وازددت صلعاً وقلة قيمة وأنا حي أرزق". وأضاف: "أتمنى من الله أن يصدر قرار استثنائي بأن يظل بعض الناس الطيبين أحياء إلى آخر الزمان وأن أكون واحداً منهم. فأنا أخشى أن يحملني الأصدقاء يوماً ليقذفوا بي في حفرة ثم يسهرون في الليل يرددون نكاتي ومشاغباتي معهم". واختتم: "سأعيش صحفياً وأموت صحفياً وسأحشر يوم القيامة في زمرة الصحفيين".