في اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي صادف الثالث من مايو، يبرز سؤال جوهري حول واقع الصحافة المصرية التي تحولت من سلطة رابعة إلى أداة دعائية وترويجية للوزراء والمسؤولين. لم تعد الصحافة مصدرًا للمعلومات التي لا يستطيع القارئ الوصول إليها، بل أصبحت ناقلة لما يريد المسؤول قوله، دون قدرة الصحفي على إجراء أي تعديل على كلامه.
تحول الولاء من الصحيفة إلى المسؤول
تحول ولاء الصحفي إلى الجهة التي يتولى متابعة أخبارها على حساب ولائه لصحيفته، فأصبح ناقلاً لتصريحات المسؤولين دون تمحيص أو تدقيق. المنتج الصحفي أصبح يشبه نشرات الحائط التي تستعرض عضلات المسؤولين في أداء مهامهم الأساسية، حتى أن ذهاب الوزير إلى وزارته أصبح خبرًا يستحق النشر.
تراجع المعايير المهنية
اللافت أن الأخبار السارة للناس باتت تقتصر على انخفاض أسعار السلع مثل الطماطم أو الجرجير أو الفراخ البانيه، مما يعكس سطحية التغطية الإخبارية. ونتيجة لذلك، أصبح الزملاء الصحفيون يخجلون من الإفصاح عن هويتهم المهنية، بعد أن كانت الصحافة يومًا سلطة رابعة تفرض هيبتها على الجميع.
غياب المواجهات في الحوارات
خلت الحوارات مع المسؤولين من أي مواجهات مهنية، فلا تجد عنوانًا معلوماتيًا واحدًا في الحوارات المنشورة، بل تجميل لوجه المسؤول واستعراض لأنشطته اليومية التي يفترض أن تكون جزءًا من وظيفته. بعض الزملاء يخجلون من توجيه أسئلة قد تسبب إحراجًا للمسؤول أو تكشف حقيقة التقصير.
تحول المحتوى إلى خلطة غريبة
عند تصفح المواقع الإخبارية، نادرًا ما تجد خبرًا بالمفهوم الصحفي الحقيقي. المحتوى أصبح خليطًا من أخبار الطقس وأسعار السلع والدولار والذهب والأبراج ومواعيد المباريات والبرامج والنصائح الطبية والتغذية وأحداث المسلسلات. هذه الظاهرة تعكس فقدان البوصلة المهنية.
عناوين بروتوكولية وحشو إنشائي
كثرت عناوين مثل "تحت رعاية فلان" و"متابعة فلان الفلاني"، وأصبحت الأخبار تبدأ بـ "شهد المسؤول الفلاني الحدث الفلاني". الصحفي تحول إلى مجرد وسيط "بوسطجي" ينقل الخبر كما تلقاه دون إعادة صياغة وفقًا لأصول المهنة التي تبدأ الخبر بأهم معلومة. الأخبار الآن مليئة بالحشو والعبارات الإنشائية البروتوكولية التي تروج للمسؤول دون مراعاة حق القارئ في المعرفة.
تراجع اللغة العربية
كانت الصحافة في الماضي تقدس اللغة العربية والنحو والبلاغة، وكان الخطأ اللغوي كارثة مهنية. اليوم، إجادة قواعد اللغة أصبحت "موضة قديمة"، وتم سحق اللغة العربية في العناوين والمتن لصالح العامية، مما يهدم أحد الأعمدة الأساسية للمهنة.
تجاهل الأحداث الهامة
كثير من المواقع الإخبارية تخلو من أخبار أو تقارير أو تحليلات تحترم عقل القارئ. أحداث هامة يتم تجاهلها أو عدم النشر خوفًا من المساءلة، مما يدفع الجمهور لمتابعة الصحف والقنوات الأجنبية للحصول على المعلومات.
الترويج للتفاهة والتسطيح
المحتوى المنشور يروج للتفاهة والتسطيح، مثل أخبار بديهية عن مواعيد صرف الرواتب والمعاشات، والقنوات الناقلة للمباريات، ونصائح توعوية عن تجنب مخالفات الرادار أو نزلات البرد. هذه المواد تمثل نحو 80% من المنتج الخبري لمعظم المواقع.
دروس من الماضي
في مطلع الألفية، عمل الكاتب في صحافة إحدى الدول الخليجية، حيث لاحظ أن الصحفيين يتكبدون مشقة تغطية الأحداث ثم يعودون بحاملات بيانات تحتوي على المادة الصحفية مكتوبة من وجهة نظر الجهة المسؤولة، ويطلب نشرها كما هي دون تعديل. كان الزملاء هناك يحسدون الصحافة المصرية على مساحة حرية النقد والتعبير. لكن اليوم، ما كان يثير الدهشة قبل 20 عامًا يحدث في مصر بحذافيره.
الرقابة الذاتية والخوف من المحظور
اليوم، يراجع الصحفيون ما يكتبونه مرات عديدة خوفًا من الوقوع في المحظور. محاذير الكتابة كثيرة، والمخاوف من تأويل المقاصد كبيرة، مما يدفع الجميع إلى الهروب إلى مناطق غير شائكة. كل صحفي أصبح رقيبًا على نفسه وقلمه.
أمل في التصحيح
بالرغم من هذا الواقع، لا يزال هناك أمل في تصحيح المسار وعودة الهيبة وأرقام التوزيع المليونية. الصحافة قد تمرض ولكنها لا تموت أبدًا، وستظل مرآة الحرية في أي مجتمع، وعندما تشعر الناس أنها تعبر عن همومهم وتطلعاتهم، ستعود إليها مكانتها.



