التواجد العسكري الأمريكي في الخليج: أمر واقع لحماية النفط وإسرائيل
التواجد العسكري الأمريكي في الخليج: أمر واقع

يكتب الدكتور جمال القليوبي: التواجد العسكري الأمريكي في دول الخليج العربي من أجل النفط … أمر واقع لا اختيار. لا ندري كيف تسير الأحداث في منطقة مضيق هرمز الآن أو حتى مستقبلًا، فحالة اللا حرب واللا تفاوض واللا سلم جعلت التوقعات على المستويين الاقتصادي والسياسي غير مفهومة بالنسبة للركود الاقتصادي وكذلك لسعر أسواق النفط والغاز. وفي قلب هذه المعادلة، يقف الخليج العربي باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، مما جعله محورًا دائمًا للاهتمام والتدخل الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية وتواجدها العسكري الذي صار مستدامًا في الخليج منذ أكثر من 37 سنة، ولم يكن خيارًا عابرًا، بل أصبح مع مرور الزمن "أمرًا واقعًا" فرضته اعتبارات استراتيجية معقدة، تتداخل فيها السياسة بالطاقة بالأمن.

جذور التواجد العسكري الأمريكي في الخليج

لكي نفهم ما يحدث في حرب الثنائي إسرائيل وأمريكا على إيران، لا بد أن نعود إلى ما قبل التسعينات، حيث كانت العراق تمثل قوة إقليمية صاعدة، تمتلك جيشًا قويًا وبنية علمية متقدمة، بما في ذلك برنامج نووي طموح. هذا الوضع لم يكن مقبولًا إقليميًا ودوليًا، حيث قامت إسرائيل بضرب المفاعل النووي العراقي في الثمانينات، في خطوة استباقية لمنع تحول العراق إلى قوة نووية. وفي الوقت ذاته، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لعقد كامل، استنزفت خلالها قدرات البلدين، وخاصة العراق الذي خرج منها مثقلًا بالديون والتحديات الاقتصادية.

وفي نفس هذا السياق، جاءت سياسات منظمة الأوبك، والتي شهدت تراجعًا في أسعار النفط نتيجة زيادة الإنتاج، خاصة من قبل الكويت، مما زاد من الضغط على الاقتصاد العراقي المعتمد بشكل كبير على عائدات النفط. هنا بدأت ملامح الأزمة تتشكل، حيث شعر العراق بأنه محاصر اقتصاديًا، وهو ما ساهم في اتخاذ قرار غزو الكويت عام 1990، في خطوة اعتبرها البعض نتيجة مباشرة لضغوط وتوازنات دولية معقدة، وربما بتشجيع ضمني أو سوء تقدير لمواقف أمريكا والأوروبيين.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

نقطة التحول: غزو الكويت وتداعياته

عقب الغزو، سارعت دول مجلس التعاون الخليجي إلى الاستعانة بالولايات المتحدة لتحرير الكويت، وتم ذلك بالفعل من خلال تحالف دولي واسع تحت مظلة الأمم المتحدة. إلا أن هذه اللحظة كانت نقطة تحول استراتيجية، حيث لم تنسحب الولايات المتحدة بعد انتهاء العمليات نظرًا لطلب دول الخليج العربي استمرار حمايتها، ومن ثم بدأت أمريكا في ترسيخ وجودها العسكري في المنطقة، مبررة ذلك بضرورة حماية أمن الخليج ومنع تكرار مثل هذه الأزمات.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

لاحقًا، تصاعدت الاتهامات الأمريكية للعراق بامتلاك أسلحة دمار شامل، وخاصة برنامج نووي سري، وعدم التعاون مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذه الاتهامات، التي لم تثبت لاحقًا، كانت مبررًا رئيسيًا لغزو العراق عام 2003. وتمت الإطاحة بنظام صدام حسين، ودخلت القوات الأمريكية بغداد، حيث تم تعيين إدارة مدنية أمريكية، وبدأت مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الدولة العراقية، بما في ذلك قطاع النفط الذي أصبح مفتوحًا أمام الشركات الغربية.

القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج

منذ ذلك الحين، ترسخ الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، حيث أنشأت الولايات المتحدة قواعد عسكرية متعددة، يُقدّر عددها بنحو 16 قاعدة، من بينها قواعد في البحرين (حيث يتمركز الأسطول الخامس)، وقطر (قاعدة العديد)، والكويت، والإمارات. هذا التواجد لم يكن فقط لأغراض الدفاع، بل أصبح جزءًا من منظومة أمنية متكاملة تهدف إلى ضمان تدفق النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية دون انقطاع.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة مع إيران، أصبح هذا الوجود أكثر أهمية من وجهة النظر الأمريكية. فقد تم تصوير إيران كتهديد مباشر لأمن المنطقة، سواء من خلال برنامجها النووي أو قدراتها الصاروخية. ومع كل تصعيد، كانت الولايات المتحدة تعزز من وجودها العسكري، وتدعو حلفاءها في الخليج إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتحديث منظوماتهم العسكرية التي تتولى الإشراف عليها.

السيطرة على النفط وحماية إسرائيل

وحديثًا مع صعود تكتلات اقتصادية جديدة مثل "البريكس"، وطرح أفكار حول بدائل للبترودولار، بدأت الولايات المتحدة تشعر بتهديد محتمل لمكانتها الاقتصادية العالمية. ومن هنا، أصبح الحفاظ على السيطرة على منابع الطاقة، وخاصة في الخليج، أولوية استراتيجية. فالتواجد العسكري لا يهدف فقط إلى الحماية، بل أيضًا إلى ضمان استمرار النفوذ الأمريكي في سوق الطاقة العالمي.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم التصعيد الأخير مع إيران، والذي يتضمن اتهامات بتخصيب اليورانيوم وتطوير أسلحة نووية، كجزء من سياق أوسع لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. السيناريوهات المحتملة، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز أو استهداف البنية التحتية النفطية، تمثل تهديدًا مباشرًا لما يقرب من 35% من إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما يبرر – من وجهة النظر الأمريكية – استمرار التواجد العسكري.

لكن المغزى الأعمق من كل ذلك، هو أن هذا التواجد لم يعد مجرد خيار استراتيجي، بل أصبح واقعًا مفروضًا، تومن به دول الخليج، بل واعتبرته ضمانة لأمنها. وفي المقابل، تتحمل هذه الدول تكلفة هذا الوجود، سواء من خلال صفقات السلاح أو استضافة القواعد أو المساهمة في العمليات العسكرية.

خلاصة: هل من بديل؟

وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لدول المنطقة أن تبني منظومة أمنية مستقلة تضمن مصالحها دون الاعتماد الكامل على القوى الخارجية؟ أم أن معادلة "النفط مقابل الحماية" ستظل هي الحاكمة في المستقبل المنظور؟ ما هو مؤكد أن التواجد العسكري الأمريكي في الخليج لم يعد مجرد خيار، بل أصبح جزءًا من معادلة جيوسياسية معقدة، تتجاوز حدود المنطقة لتؤثر في توازنات العالم بأسره، ويصبح الشغل الشاغل لدى أمريكا في انتشار قواعدها هو تذليل كل العقبات من أجل حماية إسرائيل وتحقيق الوصول إلى أطماعها، وهو المغزى المهم من كل هذا التواجد … وإلى تكملة قادمة.