في حوار اتسم بالعمق الاستراتيجي والبوح التاريخي، كشف اللواء أركان حرب دكتور محمد قشقوش، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، عن رؤية شاملة لمستقبل الأمن القومي العربي، مستندًا إلى إرث عسكري بدأ منذ تخرجه عام 1966 مرورًا بالنكسة وصولًا إلى ملحمة العبور في 1973.
من قارورة الرمل إلى غرف العمليات
استعاد اللواء قشقوش ذكريات شجية عن حرب يونيو 1967، قائلًا: "انسحبنا دون أن نرى قوات الاحتلال؛ لم نشاهد سوى طيرانهم نتيجة أوامر الانسحاب". إلا أن هذا الانكسار تحول إلى وقود لإرادة الصمود، حيث كشف عن قيادته لقوات من الفدائيين في 5 عمليات نوعية خلف خطوط العدو في عمق سيناء خلال حرب الاستنزاف، مؤكدًا حرصه آنذاك على الاحتفاظ بـ "حفنة من تراب سيناء" في زجاجة دواء كرمز للتمسك بالأرض، وهي العقيدة التي شاركه فيها رفاقه الذين أوصى بعضهم بدفن ذلك الرمل معهم عند الرحيل.
وانتقل قشقوش بحديثه إلى نصر أكتوبر 1973، حيث شارك في العمليات الميدانية قبل أن ينتقل لتأمين "مركز 10" وغرفة العمليات الرئيسية، شاهدًا على إدارة القادة العظام للملحمة، وصولًا إلى مساهماته الوطنية في توثيق وثائق الحرب.
الأمن العربي ودعوة لإحياء القوة المشتركة
استحضر اللواء قشقوش تجربة التنسيق العربي في أكتوبر، مشيرًا إلى توزيع الأدوار بين الدول العربية الآسيوية لمساندة سوريا، والأفريقية لمساندة مصر، مؤكدًا أن هذه التجربة تمثل ركيزة صلبة لمبادرة الرئيس السيسي (2015) الداعية لتشكيل "جيش عربي مشترك" يحقق الردع الإقليمي.
وفي كشف مثير للتكتيكات البحرية، أوضح قشقوش تفاصيل الخداع الاستراتيجي بالتنسيق مع اليمن، حيث تم الإيهام بتحرك 4 قطع بحرية (بينها غواصة) لإجراء عمرة في باكستان، لتتمركز في "باب المندب" وتغلقه أمام النفط المتجه لإسرائيل لمدة 104 أيام. كما أشاد بالدعم الميداني من الجزائر والمغرب، والمساندة العراقية والسعودية والأردنية للجبهة السورية.
الدور المصري في اليمن ومراجعة المعونة
تطرق الحوار إلى الدور القومي لمصر في تأسيس كلية القيادة والأركان اليمنية، وتخليد ذكرى الشهداء المصريين في صنعاء والحديدة، وافتتاح الجناح المصري بالمتحف الحربي اليمني، وهي خطوات تمت تحت إشراف المشير أبو غزالة والفريق إبراهيم عرابي وبمتابعة من الرئيس الأسبق مبارك.
وعن ملف المعونة الأمريكية، أوضح قشقوش -بحكم عمله في لجنة مراجعة المعونة- أن الإنفاق العسكري الحقيقي لإسرائيل يتجاوز المعلن بكثير بفضل الدعم الغربي، مؤكدًا أن المعونة المصرية ليست "سيولة" بل هي منظومة معقدة من التعاون في التصنيع والتفاوض الدائم لشراء السلاح، والتي قد تشارك فيها أطراف أوروبية.
خروقات المعاهدة والمشهد الراهن
واختتم مستشار الأكاديمية العسكرية حواره بتحليل الواقع الجيوسياسي والتوتر "الإيراني - الإسرائيلي"، مفجرًا مفاجأة قانونية بتأكيده أن الجانب الإسرائيلي انتهك معاهدة السلام، موضحًا أن "المنطقة د" داخل إسرائيل -التي تقابل المناطق (أ، ب، ج) في سيناء- تشمل جنوب قطاع غزة، وهو ما يضع التحركات العسكرية الأخيرة في إطار الانتهاك الصريح للاتفاقيات الموقعة.



