إلى سدنة معابد عقولهم الخربة: رسالة في تقديس العقل وحماية الدين
رسالة إلى سدنة معابد العقول الخربة

د. عادل القليعي يكتب: إلى سدنة معابد عقولهم الخربة! دعونا نتفق على أمر مهم، ألا وهو أن العقل نعمة أنعم بها الإله علينا، وبما أنه هبة ربانية، أليس من الأحرى أن نوظفه في طاعة الله ولا نستعمله في ما يغضبه؟ أعرض هذه المسألة على أصحاب العقول الصحيحة، وأصحاب الفطر السليمة الفائقة.

أصحاب العقول الشاردة

أما أصحاب العقول الشاردة المخمورة التي أسكرتها أوهام المحدثات، أولئك الذين زين لهم الشيطان سوء عملهم فرأوه حسناً، سولت لهم أنفسهم المريضة أنهم بالعقل يستطيعون أن يفعلوا كل شيء، وأن يناقشوا كل شيء، وأن يخوضوا في كل شيء، ولا يعلمون أن كل كلمة وكل فكرة وكل رأي سيصلون إليه سيسألون عليه مرتين: مرة لإضلالهم لذواتهم، والأخرى لإضلالهم لكل من يستمعون إليهم ويشاهدونهم ويقرأون لهم، أو حتى يتناقشون معهم. أولئك الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم. أولئك الذين أضحى فحشهم واضحاً وموبقاتهم واضحة عياناً بياناً دون استتار، (نعم من أمن العقوبة أساء الأدب)، فلا رادع يردع هؤلاء وأمثالهم، خصوصاً وإن كانوا محسوبين على أهل الفكر والثقافة وأصحاب الاتجاهات المختلفة.

المسؤولية الفكرية

هذه واحدة. أما الثانية، فكل ما سيقدمونه من مواد فكرية لتخريب العقول وتضليل الناس وإفساد المعتقد على العوام البسطاء سيأتي يوم القيامة شاهداً عليهم (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً)، وقوله تعالى (ستكتب شهادتهم ويسألون). أقول لهؤلاء ومن شايعهم: هل حقاً أنتم أهل علم؟ لا أعتقد ذلك، لأن العلم يهذب صاحبه، لأن أهل العلم الحقيقيين متواضعون، خاشعون، أشد خشية من سواهم لله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، لا يتعالون بعلمهم على أحد، لا يتنطعون ولا يتكبرون على من وهبهم العقل ووهبهم العلم.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تطاولات على الثوابت

لو أنكم أهل علم لما تطاولتم، تارة على إنكار معلوم من صحيح الدين ثابت ثبوتاً قطعياً لا مراء فيه ولا شك، قرآناً وسنة، وليس التشكيك في المعراج منا ببعيد، وليس التشكيك في أمية النبي منا ببعيد، وليس العبث بآيات المواريث منا ببعيد. وليس من أنكر منا البعث ببعيد ومن قال برمزية الجنة والنار ليس منا ببعيد، ومن أنكر الموت ليس منا ببعيد معتنقين فكر أبيقوري يدعو إلى الإفراط في اللذة وأن الموت والخوف من الإله لا ينبغي أن يسبب قلقاً وجودياً للإنسان، لأن الكون يتكون من ذرات ميتة فليس ثم إله، وأن الإنسان عند موته تزول عنه حواسه فلن يلاقي الموت أبداً. وأين السؤال وأين حياة البرزخ وأين الآيات التي أخبرت بكل هذه الأمور، وأين آيات الجنة والنار، وأين الميزان وأين الصراط وأين الكوثر وأين الفردوس الأعلى من الجنة، أليست كل هذه مخبرات أخبرنا عنها الله تعالى في كتابه العزيز؟ أنتم لستم معذورين بجهلكم، لكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

التطاول على الرسول والصحابة

وتارة التطاول على رسول الله في شخصه، إن سباً أو قذفاً أو رسوماً مسيئة لحضرته صلى الله عليه وسلم، والطامة الكبرى أن من يفعل ذلك من المنسوبين للإسلام. وتارة أخرى على صحابته رضي الله عنهم جميعاً، والخوض في سيرهم والخوض في أعراضهم. وكذلك الأمر بالنسبة للفقهاء الأربعة أهل الحل والعقد أهل الاجتهاد لم يسلموا من الطعن والتجريح والتشكيك في ما رووه من أحاديث صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن تطاول متنطعاً قائلاً بتاريخانية النص الديني، وتلك فكرة خبيثة لا يفكر فيها إلا شيطان مارد، يريد أن يحصر النص في فترة زمنية محددة، وما أن نتخطاها يذهب معها النص ويذهب الدين. ومنهم من بلغ تطاوله مداه ومنتهاه، طال التطاول الذات العلية، طال التنطع والتطاول على الله جل جلاله (ويحذركم الله نفسه).

التطاول على الذات الإلهية

الأحبة الكرام، التطاول على الله والتأله عليه ليس جديداً، فحدث ذلك عند المجسمة وعند المشبهة وعند المؤلهة الذين أنكروا وجوده تعالى وألهوا الطبيعية، وعبدوا الحجر والشجر والبقر والنجوم والكواكب والنار. لكن ظهر من يقول: “لو أجرى الله على نفسه استفتاء وحصل على سبعين في المائة فليحمد ربنا”. ما هذه العقول الخربة العفنة، ما هذه العقول التي شاخت وهرمت ومردت على النفاق والضلال. ما هذا الهذيان، ألهذا الحد صرنا؟! من الذي يستفتي ومن المستفتى عليه ومن المستفتون، هل نحن من سنضع الله تعالى محل استفتاء، سبحان الله العظيم، هل الله تعالى يستفتى عليه، يعني يصلح إلهاً أم لا!، هل أدى ما عليه من واجبات تجاهنا أم لا، ولو كانت النتيجة سبعين بالمائة فليحمد نفسه أنه نجح في الاستفتاء. أيها المهرطقة، أيها المأفونون، فاقدي الوعي ألهذا الحد أزكم الشيطان، حتى أنساكم أنفسكم وجعلكم تتطاولون على الله. يبدو أن خمركم هذه المرة مغشوشة، كشفتكم على حقيقتكم، كشفت وجوهكم العابسة العابثة الكالحة. ألهذا الحد وصل بكم السفه والعته والإسفاف أن تتطاولوا على الله تعالى. ماذا تريدون، أتريدون أن تطفئوا نور الله بأفواهكم، أبشروا لن تفلحوا، ولن يفلح الساحر حيث أتى، أبشروا إن الله منجز وعده ومتم نوره ولو كره المجرمون، ولو كره الكافرون. نعم أيها المارقة إن الله بالغ أمره قد جعل لكل شيء قدراً.

دعوة إلى العقل المستنير

أعيروني انتباهكم وعقولكم وقلوبكم وأفئدتكم، أيدكم الله بروح منه، وأنعم عليكم بنور البصر والبصيرة، هل الله أعطانا العقل لنوظفه في ما يغضبه، هل أعطانا هذه النعمة لنكفر بها، أما أعطانا إياه لنستخدمه في طاعته من خلال العمل الصالح ونشر العلم ونشر الفضيلة، والبعد عن كل ما هو مرذول مقيت. أليست الآن حاجاتنا ملحة إلى عقول مستنيرة حقاً تعي ما تفكر فيه وتدرك ما تقوله وتتصدي لكل هذه الترهات والخزعبلات. أليست الآن حاجتنا ملحة إلى شرح وتبسيط صحيح المنقول بحجة سلسة وبسيطة دونما تعقيد حتى يفهمه الجميع. حقاً إنها لرأس الكبر والتي هي نذير للبشر أن تتطاولوا على الله جل جلاله وتنزهت ذاته. نعم صدق فيكم قوله تعالى (اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون عليم). صدق فيكم قوله تعالى (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون). صدق فيكم قوله تعالى (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر). صدق فيكم قول الشاعر فاروق جويدة: افعل ما شئت ولا تخجل فالكفر مباح، أفعل ما شئت ولا تخجل فالكل مهان. فلا تنقادوا خلف هؤلاء المهرطقة، سدنة معابد عقولهم الخربة، أغلقوا في وجوههم أبواب عقولكم ولا تعيروهم اهتمامكم. وأختتم حديثي بقول رائع لفريد الدين العطار، أوجهه إلى كل من ظن أنه بعقله يستطيع أن يدرك كل شيء (فإن العقل أشبه بغربال إذا وضعته في الماء ثم أخرجته، بماذا سيخرج لا شيء)، هكذا العقل إذا أقحم نفسه في أمور لا طاقة له بها سيصيبه الخزي والخزلان.