أشهر "لا" في تاريخ مصر: كواليس صرخة الوفد ضد خديعة باريس 1919
أشهر "لا" في تاريخ مصر: كواليس صرخة الوفد ضد باريس

في مثل هذا اليوم من عام 1919، وبينما كان العالم يلملم جراحه بعد الحرب العالمية الأولى، كانت آمال المصريين معلقة على طاولة مؤتمر الصلح في باريس، قبل أن تأتي الصدمة عنيفة ومخيبة للآمال. فبدلاً من أن يحصد المصريون ثمار كفاحهم بنيل الاستقلال، فاجأ المؤتمر الجميع بالاعتراف الرسمي بالحماية البريطانية على مصر، مع إبقاء الدول العربية تحت وصاية لندن وباريس. في تلك اللحظة الفارقة، لم يقف الزعيم سعد زغلول صامتاً، بل أطلق رصاصته السياسية الأولى بإرسال مذكرة احتجاج تاريخية للمؤتمر، هزت أروقته وأعلنت للعالم أن صاحب الحق لا يزال يطالب ببيته، مهما كانت موازين القوى الدولية.

سعد زغلول: رجل القانون الذي صار زعيماً للأمة

سعد زغلول الذي قاد هذه المواجهة، لم يكن مجرد سياسي، بل هو خريج مدرسة القانون وعميد المحاماة المصرية الذي تدرج من منصة القضاء إلى كراسي الوزارة. عُرف بصلابته وفصاحته، وكان يمتلك قدرة فائقة على مخاطبة النخبة بلغة القانون الرصينة، ومخاطبة الفلاحين بلغة الوجدان الصادقة. وهو الرجل الذي حول الوفد المصري من مجرد بعثة سفر دبلوماسية إلى كيان سياسي يمثل ضمير الأمة الحي، وصار لقبه "زعيم الأمة" انعكاساً لتوحيد المصريين خلف مطلب واحد لا يقبل التفاوض، وهو الجلاء التام.

آليات غير مسبوقة في الاحتجاج

واعتمد سعد زغلول في احتجاجاته آليات غير مسبوقة أحرجت المحتل البريطاني أمام العالم؛ فبدأ بسلاح التوكيلات التي جمع فيها ملايين التوقيعات ليثبت للمجتمع الدولي أنه الوكيل الشرعي للأمة وليس مجرد فرد يعبر عن رأيه. كما أصر على تدويل القضية ونقلها من الغرف المغلقة في القاهرة إلى المحافل الدولية، رابطاً هذا التحرك الدبلوماسي بضغط الشارع عبر العصيان السلمي والإضرابات، مما جعل صوته في باريس مدعوماً بضجيج الثورة في الشوارع المصرية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كواليس مذكرة سعد زغلول

جاء توجيه خطاب الاحتجاج كرد فعل اضطراري بعدما نسف المؤتمر بقراره كل الوعود التي أُعطيت للشعوب بعد الحرب. هذه المذكرة التي صاغ حروفها سعد زغلول بالتشاور مع رفاقه من عمالقة القانون والسياسة في الوفد، كانت تهدف إلى تعرية زيف شعارات الرئيس الأمريكي ويلسون حول حق الشعوب في تقرير مصيرها. وأكدت الوثيقة أن اعتراف المؤتمر بالحماية هو إجراء باطل قانوناً؛ لأنه تم دون موافقة الشعب المصري، مشددة على أن سيادة مصر تاريخية ولا تسقط بقرارات فوقية.

ولم تكن المذكرة مجرد ورق دبلوماسي، بل كانت وقوداً جديداً أشعل نار الثورة في الشارع؛ حيث ترتب عليها نقل الصراع إلى ساحة الرأي العام العالمي وإحراج بريطانيا أمام حلفائها. وبفضل هذا التحرك، زاد الالتفاف الشعبي حول الوفد، وتعززت الروح القتالية للمصريين التي أدت لاحقاً إلى إفشال لجنة ملنر البريطانية ومقاطعتها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي