التجربة الإندونيسية: نموذج للنهضة بين الدين والتنمية
في زمن تتعدد فيه النماذج التنموية، تبرز التجربة الإندونيسية كصفعة قوية على وجه تجار الحداثة الزائفين الذين يروجون لفكرة أن التقدم لا يمكن أن يتحقق إلا بإقصاء الدين عن الحياة العامة. استطاعت إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، أن تقدم إجابة شافية على سؤال النهضة الذي طالما حير المفكرين العرب والإسلاميين منذ طرحه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن الماضي.
غياب أدعياء التنوير: فرصة لحراس الهوية
لعل من أهم أسباب نجاح التجربة الإندونيسية هو غياب أدعياء التنوير وتجار الحداثة عن ساحة الفكر وتشكيل الوعي، مما أتاح الفرصة لحراس الهوية لوضع خارطة طريق للنهضة والإصلاح بعيدًا عن ضجيج الأواني الفارغة والطبول الجوفاء التي تمثلها الحداثة العربية المزعومة. هذه الحداثة التي تشن حربًا شعواء على روحانية الدين وطهرانيته وأخلاقياته وقيمه.
خارطة النهضة والإصلاح الاقتصادي
بفضل غياب تلك العوائق، استطاعت خارطة النهضة والإصلاح الاقتصادي أن تدخل حيز التنفيذ على أيدي 280 مليون نسمة هم سكان إندونيسيا، المنتشرين على مساحة جزر متفرقة تبلغ 17,508 جزيرة، مما يجعلها أكبر دولة أرخبيلية في العالم. كان المنطلق الأساسي لتحقيق النهضة الاقتصادية هو التعايش الديني وبناء روح حضارية جامعة بين التنمية المادية والرسالة الروحية.
نقد النموذج الغربي
هذا الأمر الذي جعلته أبواق الحداثة التغريبية أعظم الإشكاليات المعيقة لنهضة العالم الإسلامي، بدعوى أن النهضة الاقتصادية لا تتحقق إلا بإقصاء الدين عن الحياة العامة، وأن التقدم الحضاري يقتضي تجفيف منابع التدين والروحانية وإضعاف المؤسسات الدينية. لكن هذه الأبواق كانت أسيرة النموذج الغربي في صراعه التاريخي مع الكنيسة، فتوهمت أن طريق التقدم لا يكون إلا عبر العلمنة الشاملة وقطع الصلة بين المجتمع وقيمه الروحية.
التجربة الإندونيسية: نموذج مغاير
جاءت التجربة الإندونيسية لتقدم نموذجًا مغايرًا بالغ الدلالة. إذ استطاعت إندونيسيا أن تصبح واحدة من أكبر الاقتصادات العالمية وعضوًا مؤثرًا في مجموعة العشرين الاقتصادية، وفي الوقت نفسه حافظت على حضور الدين وروحانيته في المجال العام، وفتحت المجال واسعًا أمام التعليم الديني، ورسخت ثقافة التعايش والتسامح بين مكونات المجتمع المختلفة. وهكذا جمعت بين قوة الاقتصاد وعمق الروح، وبين التنمية المادية والاستقرار القيمي والأخلاقي والروحي.
عناصر خارطة الطريق الإصلاحي
أولًا: بناء التعايش الوطني
تقوم الدولة الإندونيسية الحديثة على فلسفة جامعة تُعرف بـ (بانشاسيلا) التي تقوم على عناصر: الإيمان بالله، والوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والتعددية الدينية والثقافية. لم تُبنَ الدولة على أساس الإقصاء الديني، بل على الاعتراف بالتنوع وإدارته في إطار الوحدة الوطنية، مما جعل التنوع الديني عنصر إثراء حضاري بدلاً من عامل تفكيك وصراع. وهنا تتجلى عبقرية التجربة الإندونيسية إذ أدركت أن التنمية الاقتصادية لا تزدهر في بيئة الاحتراب الطائفي، بل في مناخ السلم الأهلي والثقة المتبادلة، فارتبط الاستقرار السياسي والاجتماعي بالنمو الاقتصادي المتصاعد.
ثانيًا: الروحانية الدينية كرافعة للتنمية
في التجربة الإندونيسية، الدين ليس خصمًا للتنمية بل رافعة لها، على عكس بعض التجارب الحداثية العربية التي تعاملت مع الدين كعائق. أدركت إندونيسيا أن روحانية الدين وقيمه يمكن أن تكون قوة أخلاقية واجتماعية داعمة للتنمية، فأتيح لها المجال لبناء الإنسان روحيًا وأخلاقيًا، مما حافظ على التماسك الأسري والانضباط الاجتماعي والتكافل الأهلي، وهي عناصر ضرورية لأي نهضة اقتصادية مستقرة.
ثالثًا: التعليم الديني المفتوح
من أبرز ما يلفت النظر في التجربة الإندونيسية أنها لم تغلق المدارس والمعاهد الدينية، بل سمحت بانتشار عشرات الآلاف من المعاهد والمدارس والجامعات الإسلامية المعروفة باسم (بيسانترن) والتي يبلغ عددها 42 ألف معهد. هذه المؤسسات لم تعد مجرد مراكز لحفظ العلوم الدينية، بل تحولت إلى مؤسسات لبناء الإنسان وتأهيله اجتماعيًا ومهنيًا واقتصاديًا، ليسهم بدور فاعل في التنمية الاقتصادية المحلية ودعم الاقتصاد المجتمعي، خاصة في المشروعات الصغيرة والتنمية المجتمعية.
رابعًا: الجمع بين الروح الديني والانفتاح الحضاري
لعل أبرز أسرار نجاح التجربة الإندونيسية أنها لم تجعل التدين مرادفًا للانغلاق، ولم تجعل الحداثة مرادفة للانسلاخ من الهوية. ظهر في إندونيسيا نموذج للتدين المجتمعي المتسامح، الذي يحافظ على الشعائر والهوية، وفي الوقت نفسه يقبل بالتعددية ويتفاعل مع العصرنة والحضارة. وقد أسهم هذا التدين الروحي في تعزيز التعايش والاستقرار المجتمعي والمبادرات الإنسانية العالمية.
دروس مستفادة
استطاعت إندونيسيا أن تقدم للعالم صورة مختلفة عن العلاقة بين الدين والحداثة، تؤكد أن التدين لا يمنع المشاركة في الاقتصاد العالمي، ولا يعطل العلم، ولا يعيق التنمية، بل قد يكون قوة بناءة ومصدرًا للطاقة الأخلاقية والانضباط الاجتماعي. لقد أثبتت إندونيسيا أن الأمم لا تضطر للاختيار بين الدين والتنمية، ولا بين الروح والحضارة، ولا بين الهوية والانفتاح، بل تستطيع إذا امتلكت الحكمة والرؤية أن تجمع بين قوة الاقتصاد وعمق الإيمان، وبين التقدم المادي والاستقرار القيمي.
وهكذا، تمثل التجربة الإندونيسية شاهدًا حيًا على فشل المقولة الحداثية العربية التي تزعم أن النهضة لا تتحقق إلا بإقصاء الدين، كما تمثل نقدًا عمليًا للتطرف الديني وجماعاته السياسية أو الإرهابية وللانغلاق والجمود الفقهي. إذ قدمت نموذجًا وسطًا يفتح المجال للروح الديني ليبني الإنسان، وللعلم ليبني الحضارة، وللاقتصاد ليخدم المجتمع. وهكذا تتأكد الحقيقة القرآنية الكبرى أن عمران الأرض لا ينفصل عن تزكية الإنسان، وأن النهضة الحقيقية إنما تقوم حين تتآلف القيم الروحية مع السنن الحضارية في مشروع إنساني متوازن.



