من حق أي دولة أن تبحث عن أفضل السبل لإدارة منظومة الدعم، ومن حق الحكومة أن تناقش تطوير آليات وصوله لمستحقيه، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكلفة الدعم عامًا بعد عام. لكن في المقابل، من حق المواطن أيضًا أن يشعر بالأمان، وأن يطمئن إلى أن الإصلاح لن يتحول إلى خصم جديد من قدرته على الحياة، أو انتزاع آخر ما تبقى له من مظلة الحماية الاجتماعية، خصوصًا حين يتعلق الأمر برغيف الخبز.
الحديث عن الدعم النقدي ليس جديدًا
الحديث عن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي ليس جديدًا، لكنه هذه المرة يبدو أقرب إلى التنفيذ الفعلي، بعد إعلان رئيس الحكومة بدء دراسة الخطوات التنفيذية لتطبيقه تدريجيًا مع العام المالي الجديد. لكنه لم يحدد هل يشمل رغيف الخبز المدعم أم لا. والفكرة في ظاهرها تبدو منطقية؛ فالدعم النقدي يمنح المواطن حرية أكبر في اختيار احتياجاته، ويحد من تسرب السلع والفساد والهدر، كما يسمح بتحديث قيمة الدعم وفق معدلات التضخم. لكن المشكلة ليست في الشعارات النظرية، وإنما في طبيعة الواقع المصري، وفي حجم الفجوة المتراكمة بين دخول الناس والأسعار التي تقفز كل يوم بلا سقف.
مخاوف شعبية حقيقية
المخاوف الشعبية هنا ليست مجرد سوء فهم أو مقاومة للتغيير، وإنما خوف حقيقي من أن يتحول الدعم النقدي مع الوقت إلى مبلغ هزيل تلتهمه موجات الغلاء، بينما يظل سعر السلع -وعلى رأسها الخبز- يتحرك بلا ضابط. فالدعم العيني، رغم عيوبه، كان يمنح المواطن شيئًا ملموسًا ومضمونًا، أما الدعم النقدي فيظل مرتبطًا بقيمة العملة وقوة السوق وجشع التجار وتقلبات الأسعار. وما يبدو اليوم مبلغًا مناسبًا قد يصبح بعد شهور قليلة بلا قيمة حقيقية.
الخبز المدعم: خط أحمر
ولهذا فإن القضية الأكثر حساسية ليست السلع التموينية وحدها، بل الخبز المدعم تحديدًا. فالخبز في مصر ليس سلعة عادية، وإنما مسألة استقرار اجتماعي وتاريخ طويل من الحساسية السياسية والمعيشية. وأي اقتراب غير محسوب من منظومة الخبز يجب أن يتم بأقصى درجات الحذر، لأن المواطن البسيط قد يتحمل أعباء كثيرة، لكنه يشعر بأن المساس برغيف الخبز يعني أن الدولة رفعت يدها عن آخر خطوط الحماية.
الحاجة إلى وضوح كامل
كان من الأفضل أن تحسم الحكومة هذه النقطة بوضوح كامل منذ البداية: هل الحديث عن الدعم النقدي يخص السلع التموينية فقط، أم يشمل الخبز أيضًا؟ لأن ترك المسألة في دائرة التوقعات يفتح الباب للقلق والشائعات وفقدان الثقة، خصوصًا في ظل تجارب سابقة شعر فيها المواطن أن القرارات الاقتصادية تُتخذ سريعًا بينما تُترك آثاره الثقيلة على الناس وحدهم.
الإصلاح يحتاج إلى مشاركة شعبية
كما أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن المزاج الشعبي. فالحكومة تتحدث دائمًا عن الحوار الوطني، لكن نجاح أي تحول بهذا الحجم يحتاج إلى ما هو أكثر من جلسات نقاش نخبوية؛ يحتاج إلى استطلاع رأي حقيقي وشفاف لعينة واسعة من المواطنين، خاصة من الطبقات الأكثر اعتمادًا على الدعم. فالمعادلات الاقتصادية وحدها لا تكفي، لأن الاستقرار الاجتماعي عنصر لا يقل أهمية عن ضبط الموازنة.
الدروس المستفادة من التجارب الدولية
ومن المهم أيضًا أن نتوقف أمام التجارب الدولية بموضوعية، لا باعتبارها وصفات جاهزة. بعض الدول نجحت نسبيًا في تطبيق الدعم النقدي لأنها تمتلك أسواقًا مستقرة، ونظم رقابة قوية، وقواعد بيانات دقيقة، ومستويات تضخم معقولة. أما في الاقتصادات التي تعاني من تقلبات حادة في الأسعار وضعف الرقابة، فإن الدعم النقدي كثيرًا ما فقد قيمته سريعًا، وتحول إلى عبء نفسي جديد على الفقراء بدلًا من أن يكون أداة حماية لهم.
الشعور بالإصلاح الأحادي
المشكلة الأعمق أن المواطن بات يشعر بأن أغلب الحلول الحكومية تدور في اتجاه واحد: الترشيد، وتقليل الأعباء على الموازنة، حتى لو جاء ذلك على حساب قدرته المعيشية. ولذلك تتزايد الحساسية الشعبية تجاه أي قرار اقتصادي جديد، لأن الناس لم تعد ترى في حياتها اليومية نتائج ملموسة لتحسن اقتصادي يوازي حجم التضحيات المطلوبة منها.
بدائل أكثر واقعية
وربما تكون البدائل الأكثر واقعية ليست في الانتقال الكامل والسريع للدعم النقدي، وإنما في تطوير المنظومة الحالية تدريجيًا. يمكن مثلًا الإبقاء على الخبز دعمًا عينيًا كاملًا باعتباره خطًا أحمر اجتماعيًا، مع التوسع في الدعم النقدي المشروط لبعض السلع. ويمكن أيضًا إنشاء آلية تلقائية لزيادة قيمة الدعم وفق معدلات التضخم الحقيقية، لا التقديرات النظرية، حتى لا تتآكل قيمته كل عدة أشهر.
كما أن ضبط الأسواق ومحاربة الاحتكار وتوسيع المنافذ الحكومية قد يكون أكثر تأثيرًا في حماية المواطن من مجرد تحويل الدعم إلى أرقام تُضاف على بطاقة. الدولة بحاجة فعلًا إلى إصلاح منظومة الدعم، لكن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس فقط بما توفره الخزانة العامة، وإنما أيضًا بقدر ما يحفظ كرامة الناس ويمنحهم شعورًا بالأمان. فالمواطن الذي يئن تحت ضغط الأسعار لا يريد معجزات، بل يريد أن يطمئن إلى أن الدولة لا تزال تعتبره شريكًا في الوطن، لا مجرد بند يمكن ترشيده كلما ضاقت الحسابات.



