منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية في يونيو 2014، بدا واضحًا أن القاهرة قررت إعادة تموضعها الإفريقي على أسس جديدة، لا تقوم فقط على استدعاء التاريخ، بل على تحويل الانتماء الإفريقي إلى مسار عمل سياسي واقتصادي وأمني وتنموي متكامل.
هوية إفريقية حاضرة في الخطاب والتحرك
لم تعد إفريقيا في الخطاب المصري مجرد دائرة من دوائر السياسة الخارجية، بل أصبحت ساحة مركزية للأمن القومي، ومجالًا لتوسيع المصالح وبناء الشراكات. استندت رؤية الرئيس السيسي إلى مرتكزات ثابتة، منها الاعتزاز بالهوية الإفريقية، وتوسيع التواصل السياسي، وتبني شعار التنمية والتكامل الإقليمي، وبناء القدرات والتعاون الفني.
عودة قوية بدأت من قمة مالابو
مثّلت مشاركة الرئيس السيسي في قمة مالابو 2014 نقطة انطلاق رمزية وسياسية بالغة الأهمية، حيث كانت أول مشاركة مصرية رسمية بعد استئناف نشاط مصر داخل الاتحاد الإفريقي عقب ثورة 30 يونيو. أتاحت القمة بحث ملفات استراتيجية، أبرزها أزمة سد النهضة.
قمم إفريقيا منصة لصياغة الأولويات
خلال رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي في 2019، طرح الرئيس السيسي أجندة متكاملة ربطت بين تطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتسريع منطقة التجارة الحرة القارية، ومكافحة الإرهاب، وإطلاق منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة. كما ركزت قمة الكوميسا 2021 على التعافي من كورونا والتكامل الصناعي والتجاري.
أبرز الجولات الرئاسية إلى الدول الإفريقية
- مارس 2015: زيارة السودان وإثيوبيا، وتوقيع إعلان المبادئ الخاص بسد النهضة.
- أغسطس 2017: جولة إلى تنزانيا ورواندا والجابون وتشاد، ركزت على التجارة والاستثمار والتعاون الأمني.
- نوفمبر 2020: زيارة تاريخية إلى جوبا، عكست خصوصية العلاقة مع جنوب السودان.
- يونيو 2023: جولة شملت أنجولا وزامبيا وموزمبيق، لتعزيز التعاون مع دول الجنوب الإفريقي.
القاهرة محطة إفريقية دائمة
استقبلت القاهرة عددًا كبيرًا من القادة الأفارقة، منهم الرئيس الكيني أوهورو كينياتا (2020)، ورئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (2021)، ورئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله (2022)، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (2024).
تعاون متعدد المستويات
اتسعت مجالات التعاون لتشمل التنسيق السياسي، مكافحة الإرهاب، التدريب، التجارة، الاستثمار، الزراعة، الصحة، والبنية التحتية. لعبت المؤسسات الدينية والثقافية، كالأزهر الشريف، دورًا كبيرًا في نشر خطاب الاعتدال.
الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية
أطلقت مصر الوكالة في قمة مالابو 2014، لتصبح الذراع التنموية الرئيسية. نظمت 700 دورة تدريبية حضرها أكثر من 18 ألف متدرب، وأرسلت 20 قافلة طبية و195 حاوية مساعدات إلى إفريقيا.
مشروعات على الأرض
ضمن المبادرة المصرية للتنمية في دول حوض النيل، أشرفت مصر على إنشاء محطة كهرباء شمسية في أوغندا، ومركز للتنبؤات المناخية في الكونغو الديمقراطية، ومركز مجدي يعقوب للقلب في رواندا، وعيادات في إريتريا، وخزانات مياه في تنزانيا وأوغندا وجنوب السودان.
اعتمد التعاون على شراكات ثلاثية مع مؤسسات دولية كالجايكا اليابانية والفاو، مما وسع أثر البرامج في قطاعات الأمن الغذائي والتنمية الزراعية.
مصر من استعادة الدور إلى تثبيت الحضور
جمع التحرك المصري بين ثلاثة مسارات: استعادة الحضور السياسي، توسيع العلاقات الثنائية، ونقل العلاقة إلى شراكة عملية عبر التدريب والمشروعات. لم تعد القاهرة تتحدث عن إفريقيا كعمق استراتيجي فقط، بل كساحة عمل يومي، حاضرة في القمم والزيارات والمبادرات، ساعية إلى ترسيخ مكانتها كفاعل إفريقي دائم.



