أعادني المستشار أمير رمزي إلى ما قبل اثنين وثلاثين عامًا، بعد أن نشر على صفحته الشخصية رسالة إنسانية مؤثرة حول الظروف القاسية في غرف الحجز بأقسام الشرطة، المعروفة بين العامة بـ"التخشيبة". وقد وجه رسالته إلى الرئيس واللواء محمود توفيق وزير الداخلية.
خلفية القضية
تعود أصول القصة إلى عام 1994، حين أصدرت مؤسسات حقوقية دولية تقارير مروعة عن ظروف الاحتجاز في التخشيبة. ردت المؤسسات المصرية على تلك التقارير واصفة حجز الأقسام بأنه "خمس نجوم". داخل صالة تحرير جريدة الأحرار، طرحنا الملف للنقاش بهدف تقديم تغطية صحفية وافية. اقترحت إجراء تحقيق صحفي يعتمد على التجربة الوجدانية، أو ما كان يُعرف بالمغامرة الصحفية، بأن يدخل أحد الزملاء إلى التخشيبة.
المغامرة الصحفية
لاقت الفكرة استحسان الجميع، لكن لم يجد أحد من الصحفيين لتنفيذها. قررت أن أقوم بها بنفسي. لم يكن الدخول إلى التخشيبة صعبًا؛ فبمجرد المشي ذهابًا وإيابًا حول رصيف أي قسم شرطة، سيشتبه بك أمين الشرطة ويقبض عليك. كان الجو السياسي آنذاك مشحونًا، وكانت الصحافة تؤدي دورًا كبيرًا في كشف الحقائق. توجهت إلى قسم الأزبكية دون أوراق ثبوتية، وبدأت في المشي ذهابًا وإيابًا. خرج أمين الشرطة يسألني بعنف عن سبب سلوكي، وربما كان محقًا، فالمكان ليس حديقة عامة. بعد شد وجذب، أغرته جرأتي ليقوم بمهمته، فألقى القبض عليّ. بعد دقائق، كنت داخل تخشيبة قسم الأزبكية، وحرر لي محضر بتهمة التحرش، لعدم وجود أوراق تثبت هويتي. قضيت ليلة لا تُنسى.
عالم التخشيبة الموازي
اكتشفت أن التخشيبة عالم موازٍ له قوانينه وأعرافه وتقاليده، يتحكم فيها زعيم التخشيبة، وهو عادة رجل محبوس منذ شهور أو سنوات. هو الحاكم الآمر الناهي، القانون والمنفذ. كنا كومة من اللحم متراصة فوق بعضها، ونافذة ضيقة في أعلى الغرفة هي مصدر الأكسجين الوحيد. كانت حرارة الأجساد المنبعثة تخلق حممًا من النار، ولا أعتقد أن أي ميكروب كان يمكنه البقاء. اختلطت رائحة العرق برائحة الحمام الضيق، وكادت تسبب الاختناق. كان الصراع على مجرد إيجاد مكان للأنف للتنفس. تلك الليلة لا تُنسى، وتفاصيلها كثيرة لا يمكن اختصارها في مقال.
الخروج واستجابة وزارة الداخلية
في الصباح، عرضت على النيابة، وصدر قرار بالإفراج عني بضمان بطاقتي. جاء الصديق الكاتب الصحفي أسامة الكرم ليكفلني، وخرجت إلى النور. كتبت القصة كما حدثت، وتلقينا ردود فعل كثيرة واستجابات من وزارة الداخلية. اهتم الوزير اللواء حسن الألفي بالأمر ووعد بحلول عملية.
اقتراح جديد
بعد قراءة ما كتبه المستشار أمير رمزي على صفحته، مطالبة اللواء محمود توفيق بدراسة الأمر، تذكرت أحداث تلك الليلة. خصوصًا أن الوزارة أعادت هيكلة السجون وتطويرها في السنوات الأخيرة، لتصبح دورًا للإصلاح والتأهيل بدلًا من العقاب غير المجدي. أستطيع القول إن المستشار أمير رمزي، وهو شخصية مصرية مساهمة في العمل الخيري والأهلي، يمكنه أن يتقدم لوزير الداخلية باقتراح مشاركة التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي في تطوير غرف الحجز بأقسام الشرطة، كعمل إنساني يليق بمصر وأهلها.



