عزيزي القارئ، لا يزال الحديث متواصلاً عن الأسرار والمعاني العميقة في مناسك الحج، وحديثنا اليوم يتناول سر بدء الطواف من الجهة اليسرى، مع أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن البركة في اليمين في كل شيء، لقوله عليه الصلاة والسلام: "تيمنوا فإن في اليمن بركة".
السر في بدء الطواف من الجهة اليسرى
يكمن السر في أن القلب يقع في الجهة اليسرى من الجسد، وبذلك يكون التوجه إلى البيت الحرام بالقلب قبل الجسد، فالمعنى من الطواف هو طواف القلب قبل طواف البدن. ومن المعلوم أن القلب هو محل الإيمان وموضع النية ومحل النظر من الله تعالى، وفيه عين البصيرة وموطن التجلي. وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: "ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن".
أسرار عدد أشواط الطواف السبعة
أما عن سر عدد أشواط الطواف السبعة، فيكمن في أسرار الله تعالى في الرقم سبعة. وقد أجمع العارفون بالله على أن أسرار الله عز وجل في الكون تقع بين الحروف والأرقام. ورقم سبعة حوى الكثير من الأسرار، فمراتب النفس البشرية سبعة، وعدد صفات النفس البشرية سبعة، وهي: النفس الأمارة، اللوامة، الملهمة، المطمئنة، الراضية، المرضية، والكاملة الممنوحة من الله سبحانه إذن الدخول في حظيرة العبودية ونوال شرف الانتساب إلى الله جل جلاله بصفة العبودية.
يقول الله تعالى في سورة الفجر: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي". ومع قضاء كل شوط من أشواط الطواف السبعة، يرتقي العبد من صفة إلى الصفة التي تليها حتى يصل إلى صفة النفس الكاملة التي حققت العبودية لله وتحقق بها حقيقة العبودية بعد أن خرجت من صفة النفس الأمارة بالسوء في الشوط الأول، وخرجت من صفة النفس اللوامة في الشوط الثاني، وخرجت عن صفة النفس الملهمة في الشوط الثالث، وارتفعت إلى النفس المطمئنة في الشوط الرابع، وارتفعت إلى النفس الراضية في الشوط الخامس، وارتفعت إلى النفس المرضية في الشوط السادس، ثم ارتفعت إلى النفس الكاملة في الشوط السابع، وحظيت بشرف العبودية والنسبة لربها عز وجل بصفة العبودية.
أسرار أخرى للرقم سبعة
ومن أسرار رقم سبعة أيضاً أن آيات فاتحة الكتاب سبع آيات، وعدد السموات سبعة، وعدد الأراضين سبعة، وعدد البحار سبعة، ومواطن سجود المصلي سبعة (الوجه والكفين والركبتين والقدمين)، وألوان الطيف سبعة، والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط، وأبواب النار سبعة، ويؤمر الطفل بالصلاة عند بلوغه سبع سنوات.
هذا، وأما عن أسرار الله تعالى في السعي بين الصفا والمروة، فسوف نتحدث عنه بمشيئة الله تعالى في مقال تالي.



