في السادس عشر من مايو عام 2026، أعادت الأضواء تسليطها على معركة فكرية قديمة ولكنها لا تزال حية، أشعلها الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين قبل عقود. تعود القصة إلى عام 1968، عندما أصدر محرم كمال، الأمين العام للمتحف المصري آنذاك، كتاباً بعنوان «آثار حضارة الفراعنة في حياتنا الحالية»، تناول فيه العادات والتقاليد المصرية المتوارثة منذ عهد الفراعنة.
محتوى الكتاب المثير للجدل
ذكر محرم كمال في كتابه أن المصريين يعيشون في إطار تركة ثقيلة من العادات والتقاليد التي ورثوها عن أجدادهم الفراعنة، قائلاً: «نعيش نحن المصريين في نطاق تركة خلفها لنا القدماء المصريون، تشدنا إليها سلسلة من العادات والتقاليد ومختلف الأشياء التي تربطنا بها ربطاً وثيقاً، فنحن كما كنا سنظل دائماً أبناء الفراعنة، وإننا بهذه التركة بكل ما فيها من محاسن وعيوب فخورون بها».
وأضاف أن من بين هذه العادات الموروثة التعلق بالوظائف الحكومية، مستشهداً بنص فرعوني قديم ينصح الابن بأن يكون موظفاً يحترمه الجميع. كما أشار إلى ظاهرة النفاق والمداهنة للرؤساء، مستنداً إلى حكمة بتاح حتب التي تنصح بطاعة الرئيس لضمان استمرار الرزق.
النفاق وزيادة النسل واحتقار الفلاحين
خلص محرم كمال إلى أن صفات مثل النفاق وزيادة النسل واحتقار الفلاحين والبذخ في الحفلات والتمسك بالمظاهر الكاذبة هي كلها موروثات فرعونية لا يمكن التحرر منها، بل إن المصريين فخورون بها، ولهذا هم فراعنة.
رد أحمد بهاء الدين القوي
في رد حاسم، وصف أحمد بهاء الدين هذا الكلام بأنه من أسخف ما قرأ في حياته، مؤكداً أن الأمراض الاجتماعية لها أسباب اجتماعية وليست صفات خاصة بجنس أو سلالة معينة. وقال: «إن أبسط حقيقة يجب أن يتعلمها كل من يتصدى لكتابة التاريخ ويريد أن يحمل لقب مؤرخ، هي أن الأمراض الاجتماعية لها أسباب اجتماعية، وليست صفات خاصة بجنس دون آخر أو بسلالة دون أخرى».
وأضاف أن الناس هم الناس، وقد تختلف صفاتهم العرضية وتقاليدهم وعاداتهم، لكن صفاتهم الأساسية تتوقف على البيئة والظروف والزمان والمكان. وضرب مثالاً بكثرة النسل، مشيراً إلى أنها عادة موجودة في الصين كما هي في مصر، وأنها تختلف بين الفلاح وسكان المدينة، متسائلاً: «فهل معنى هذا أن الصينيين من سلالة الفراعنة، وأن سكان القاهرة ليسوا من سلالتهم؟»
النفاق صفة عالمية
أما بالنسبة للمداهنة وتملق الرؤساء، فأكد أحمد بهاء الدين أنها صفات عالمية توجد في كل مجتمع، وتتفاقم حيث يهبط مستوى الفرد وتشتد حاجته، وحيث تسود السلطة المطلقة. وفيما يتعلق ببذخ الملوك والأثرياء، ذكر أن بذخ الخديو إسماعيل، سليل الأتراك، وبذخ ملوك فرنسا وقياصرة روسيا، كلها أمثلة على أن هذه الظاهرة ليست حكراً على الفراعنة.
النقد المنهجي للكتاب
اتهم أحمد بهاء الدين مؤلف الكتاب بأنه عاش في المتحف المصري ولم يخرج بعقله وتفكيره إلى الحياة، بل «تكفن بأكفان المومياوات». وانتقد استدلاله بوجود بعض الكلمات الفرعونية في اللغة العربية، مثل «مم» و«أمبو» و«تاتا»، قائلاً: «ينسى مؤلفنا الفاضل أن لغتنا عربية وثقافتنا عربية، وهو نفسه وضع كتابه باللغة العربية».
وتساءل بسخرية: «هل علينا أن نقوم بحركة تطهير، فمن ثبت أنه له اتصال بالفراعنة بقى في مصر، ومن لا يثبت خرج من مصر؟» مشيراً إلى أن هذا المنطق يؤدي إلى حل الولايات المتحدة وعودة الألمان إلى آسيا.
الخلاصة: نحن نتاج تطور حضاري
اختتم أحمد بهاء الدين رده قائلاً: «إن الوادي الذي نعيش فيه كان أقدم واد وأقدم حضارة، وهذا شيء سوف نفخر به إلى آخر الزمان، لكن توالت على بلادنا عصور ودهور، وجاءت حضارات وأجناس ولغات وأديان وتقاليد وعادات، والأرض الطيبة كانت تمتص كل ذلك وتلفظ أشياء، كأي كائن حي يمضغ ويهضم ويستوعب ويستبعد، ومن كل هذا خرجنا نحن المصريين».



