على سرير صغير من ألواح خشبية داخل خيمة نزوح في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، كانت الحاجة أمينة البابا تحتضر، تستعيد ذكرياتها من مدينة اللد التي هجرت منها طفلة خلال نكبة 1948. لم تمت تلك المرة، لكن المجاعة والحرب أنهكت جسدها العجوز بعد 78 عاماً.
نزوح وتجويع
في صباح 15 أغسطس الماضي، فارقت الحاجة أمينة الحياة عن 89 عاماً، جسدها هزيل بسبب الجوع وسوء التغذية ونقص الدواء والماء النظيف. يقول نجلها محمد البابا: "أمي استشهدت بسبب المجاعة التي فرضها الاحتلال على غزة. الحرب لم تكن قصفاً فقط، بل تجويعاً ممنهجاً ومنعاً للدواء وكل مقومات الحياة".
النكبة الأولى
تعود القصة إلى عام 1948، حين هاجمت العصابات الصهيونية مدينة اللد. استشهد والد أمينة ذات الـ12 عاماً وهو يقاتل، فهربت مع والدتها وإخوتها سيراً على الأقدام إلى غزة، واستقرت في رفح. عاشت هناك بين الأزقة الضيقة، لكن الاجتياح الأخير أجبر العائلة على النزوح إلى خان يونس، متنقلة بين أكثر من 5 خيام.
كانت أمينة تقارن بين النكبتين: "تقول إن ما يحدث اليوم أصعب من نكبة 48، لأن القتل من الجو بالطائرات والأسلحة المتطورة، والإبادة أكثر تعقيداً وإجراماً، لكن كلاهما نكبة".
الموت بسبب المجاعة
لم تغادر اللد قلب أمينة أبداً. ظلت تحفظ تفاصيل مدينتها: بحر يافا، سوق روبين، باعة الفلافل والسمسمية. أكثر ما آلمها شجرة العنب في بيت العائلة. زرعوا لها عنباً في رفح، لكن البيت دمر بالحرب. في خيمة النزوح، حاول أبناؤها توفير الراحة، لكن الحر والذباب وسوء التغذية أضعفاها. يقول محمد: "عانت من المياه غير النظيفة ونقص الفيتامينات. تعبت شهرين حتى استشهدت".
قبل وفاتها بأشهر، غادر محمد غزة بعد نصف عام تحت القصف. حاول إقناعها بالسفر للعلاج، لكنها رفضت: "قالت لي: أنا هموت في غزة". بعد وفاتها، أصرت الأسرة على تشييعها رغم القصف. حملوها إلى مستشفى ناصر، وحصلوا على شهادة دفن تؤكد أنها شهيدة مجاعة. دفنوها في مقبرة مؤقتة، وعادوا لاحقاً للبحث عن قبرها بعد اختفاء معالمه.
شهداء المجاعة
أعلنت وزارة الصحة في غزة أن المجاعة تفاقمت إلى حدود خطرة، مسجلة 460 وفاة بسبب المجاعة، منهم 154 طفلاً، بينما يعاني 51196 طفلاً دون الخامسة من سوء التغذية الحاد.
إحصائيات النكبة
بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تم تشريد 957 ألف فلسطيني من أصل 1.4 مليون في عام 1948، من نحو 1300 قرية ومدينة. سيطر الاحتلال على 774 قرية، دمر منها 531 بالكامل، وارتكب أكثر من 70 مجزرة أسفرت عن استشهاد أكثر من 15 ألف فلسطيني.



