منذ اللحظات الأولى لقيام كيان الاحتلال الإسرائيلي، اتخذت سلطات الاحتلال من الاغتيال لغة للدم ورسالة للنار، وتحولت سياسة الاغتيالات الإسرائيلية إلى منظومة قتل منظمة لا تعترف بأخلاق ولا بحرمة حياة؛ وبدم بارد، راحت تستهدف ضحاياها داخل منازلهم، وبين أطفالهم وعائلاتهم، غير عابئة بحدود أو قوانين. ومن فلسطين إلى لبنان، وصولا إلى إيران، امتدت يد الاغتيال الإسرائيلية لتطارد القادة والعلماء، وفي مقدمتهم العلماء الإيرانيون العاملون في الملف النووي، ضمن حرب خفية تتجاوز ساحات القتال التقليدية.
جذور سياسة الاغتيال الإسرائيلية
بحسب تقرير لـ"المركز الفلسطيني للإعلام"، تمتد جذور سياسة الاغتيال الإسرائيلية إلى ما قبل قيام كيان الاحتلال الإسرائيلي، حين اعتمدت العصابات الصهيونية المسلحة، مثل الهاجاناه والإرجون، على العمليات الانتقامية والتصفية الجسدية في مواجهة الخصوم؛ وتحولت عمليات الاغتيال إلى منظومة إسرائيلية مؤسسية حين أنشأ دافيد بن جوريون الجهاز الاستخباراتي الإسرائيلي في يونيو 1948، بعد أسابيع قليلة من إعلان كيان الاحتلال.
الاغتيالات سياسة رسمية إسرائيلية معلنة
لكن مجلة دراسات فلسطين تذهب إلى أن "عقيدة الاغتيال الإسرائيلية ظهرت بوصفها سياسة رسمية معلنة مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت شراراتها في 28 سبتمبر 2000؛ حيث أصبحت الاغتيالات - في عهد سفاح مجزرة صبرا وشاتيلا رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرييل شارون - أداة لا تستهدف التهديدات المباشرة فحسب، بل لاختبار الأسلحة والتكتيكات، وللتأثير في الساحة السياسية الانتخابية الداخلية، وإرباك قدرات الحركة الوطنية الفلسطينية".
اغتالت إسرائيل رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في طهران عام 2024، وامتدت دائرة الاغتيالات الإسرائيلية مستهدفة الأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى في 27 أغسطس 2001، ومؤسس وقائد حماس الشيخ أحمد ياسين في 22 مارس 2004، والقيادي البارز في حماس عبد العزيز الرنتيسي في 17 إبريل 2004، وصولا إلى اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في طهران عام 2024، إضافة إلى عشرات القادة السياسيين والعسكريين الفلسطينيين وآخرهم قائد الجناح العسكري لحركة حماس عز الدين الحداد، والذي اغتيل الجمعة 15 مايو 2026.
أين أبي؟ منظومة اغتيالات إسرائيلية
حسب تحقيقات نشرتها مجلة "+972" الإسرائيلية، فقد طورت إسرائيل منظومة ذكاء اصطناعي أطلقت عليها اسم "لافندر"، حيث أحصت "حوالي 37 ألف فلسطيني بوصفهم أهدافا محتملة". وبحسب المجلة، شن الجيش الإسرائيلي هجمات ممنهجة على الأفراد المستهدفين داخل منازلهم بحضور عائلاتهم، واستخدمت الاستخبارات الإسرائيلية أنظمة آلية إضافية، من بينها نظام "أين أبي؟" الذي كشف عنه هنا لأول مرة، لتتبع الأفراد المستهدفين وتنفيذ عمليات قصف عند دخولهم منازل عائلاتهم.
كما طالت عمليات الاغتيال الإسرائيلية قيادات بارزة في حزب الله على رأسهم الأمين العام الثالث لحزب الله حسن نصر الله والذي اغتالته إسرائيل في 27 سبتمبر 2024؛ حيث تباهى وزير الحرب الإسرائيلي السابق يوآف جالانت بعملية اغتياله، مضيفا: العملية نفذت يوم جمعة، ويوم الأحد السابق له عرض على رئيس الأركان وقائد القوات الجوية عملية تصفية نصر الله، وأخبراني بموقعه وغير ذلك. وقال جالانت المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب: سألتهما عن فرص النجاح، وكانت الإجابة التي حصلت عليها هي 90%؛ وسألتهما كم طنا من المتفجرات تخططان لإسقاطها عليه، فقالا 40 طنا. فقلت لهما: بل استعملا 80 طنا. ضاعفا كمية المتفجرات لنصل إلى نسبة نجاح 99%. ويتابع: اتصلنا برئيس الوزراء الذي قال: تمت الموافقة، لكنني أطلب التأخير حتى السادسة والنصف، لأنني في السادسة سأكون على منصة الأمم المتحدة. وافقنا على التأخير حتى الساعة السادسة وعشرين دقيقة. وبحلول ذلك الوقت أسقطنا 84 طنا من المتفجرات على المواقع المحددة مسبقا وتمت تصفية نصر الله!
اغتيال عشرات من علماء النووي الإيرانيين
في طهران، بدا الأمر وكأن الساحة الإيرانية باتت مستباحة لعملاء الموساد والشاباك ووحدات النخبة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، سواء من خلال استهداف العشرات من علماء النووي في إيران، أو عبر استهداف قيادات بحجم المرشد الإيراني الأعلى السابق علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري الإيراني محمد باكبور. وبحسب تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية في موقعها الإلكتروني، تمتلك إسرائيل عقيدة أمنية متجذرة تعرف بـ"القتل المستهدف" أو "الإحباط الموضعي"، ويجري تنفيذها عبر وكالاتها الاستخباراتية، وتعتمد على مزيج معقد من التفوق التكنولوجي الاستخباراتي، والاختراق البشري، والعمليات العسكرية الدقيقة.
وكان لعلماء الملف النووي الإيراني نصيب الأسد من الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل في إيران، ضمن خطة استهدفت "ثقة العقول"، أو ما يمكن وصفه بـ"فريق العقول المدبرة"، وهم جيل من المهندسين والفيزيائيين الإيرانيين الذين اعتقد مسؤولو المخابرات الأمريكية والإسرائيلية أنهم يعملون على تحويل المواد النووية الانشطارية إلى قنبلة ذرية، بحسب تحقيق أجرته "واشنطن بوست" وبرنامج "فرونت لاين" الاستقصائي حول اغتيال هؤلاء العلماء في عملية أطلقت عليها الاستخبارات الإسرائيلية اسم "نارنيا"؛ فيما وصفتها جريدة "وول ستريت جورنال" الأمريكية بـ"مذبحة جماعية".
يد "إسرائيل" تخرج من الظل
في يونيو 2025، خرجت يد "إسرائيل" من الظل، وأصبحت أكثر جرأة؛ حيث يقول جنرال في سلاح الجو الإسرائيلي ساعد في التخطيط للهجوم على إيران: "لقد أتيحت لنا أخيرا فرصة عملياتية للقيام بذلك". وبالنسبة لعملية "نارنيا"، قام محللو الاستخبارات الإسرائيلية بتجميع قائمة بأسماء أهم 100 عالم نووي في إيران، ثم قلصوا القائمة المستهدفة إلى حوالي 12. وصمموا ملفات عن عمل كل واحد منهم، وعن تحركاتهم، ومنازلهم، اعتمادا على عقود من التجسس، بحسب جريدة واشنطن بوست.
وفي الدقائق الأولى من حرب الـ12 يوما التي شنتها إسرائيل على إيران في 13 يونيو 2025، اغتالت سلطات الاحتلال عالم الفيزياء النظرية وخبير المتفجرات الإيراني محمد مهدي طهرانشي في شقته في الطابق السادس في طهران في مبنى يعرف باسم "مجمع الأساتذة". كما اغتالت عالم الفيزياء النووية الذي قاد ذات يوم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية وكان خاضعا لعقوبات الولايات المتحدة والأمم المتحدة فريدون عباسي في ضربة أخرى في طهران بعد ساعتين. وقالت "إسرائيل" إنها اغتالت في المجمل 11 من كبار العلماء النوويين الإيرانيين في 13 يونيو وفي الأيام التالية من الحرب التي امتدت حتى 24 يونيو 2025.
والمحصلة، لم تعد الاغتيالات مجرد عمليات أمنية إسرائيلية عابرة، بل تحولت إلى عقيدة راسخة تاركة خلفها مدنا مثقلة بالخوف، وصراعا يزداد اشتعالا مع كل رصاصة وصاروخ، ودائرة دم يتسع حجمها ممتدا بطول فلسطين ولبنان وإيران، بحثا عن مناطق استهداف أخرى!



