بينما تنعقد لجان البرلمان المصري وتتشاور العقول القانونية لصياغة مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد لعام 2026، يجب أن ندرك جميعاً أننا لسنا بصدد تعديل تشريعي تقني فحسب، بل نحن أمام عملية جراحية في قلب المجتمع المصري. إن هذا القانون يمس النواة التي يقوم عليها استقرار الدولة، وصياغته تعد مسؤولية تاريخية كبرى لا تقع على عاتق المشرع وحده، بل هي شراكة بين مؤسسات الدولة، والمؤسسات الدينية، والخبراء الاجتماعيين.
الأسرة كيان واحد لا يقبل التجزئة
المنطلق الأساسي الذي يجب أن يضعه القائمون على القانون نصب أعينهم هو أن الأسرة، حتى في حالات الانفصال، تظل كياناً مستمراً من خلال الوالدية المشتركة. إن فلسفة القانون يجب أن تنتقل من منطق الغالب والمغلوب إلى منطق حماية الكيان. فالطفل ليس جائزة يحصل عليها طرف، بل هو أمانة ومسؤولية تقتضي تظافر الجهود لضمان تنشئته في بيئة سوية.
قراءة في ميزان العدالة: بنود تحت المجهر
لتحقيق هذا الاستقرار، تأتي التعديلات المقترحة متوازنة وشاملة، لتشمل الجوانب النفسية والمادية والإجرائية:
1. بند الاستضافة (المبيت)
هو اعتراف بحق الطفل في بناء علاقة سوية ووثيقة مع الطرف غير الحاضن (غالباً الأب)، لكن نجاح هذا البند مرهون بوضع ضمانات تنفيذية صارمة تمنع استخدامه كأداة للضغط، لضمان طمأنينة الطرف الحاضن.
2. الرؤية الإلكترونية
خطوة حضارية تساهم في كسر حاجز الاغتراب، خاصة في حالات السفر أو الظروف القاهرة، لتكون وسيلة مكملة لا بديلاً عن التواصل المباشر.
3. إعادة ترتيب الحضانة
إن تقديم ترتيب الأب في منظومة الحضانة ليأتي في مرتبة متقدمة (بعد الأم مباشرة) هو إنصاف لمنطق الفطرة والمسؤولية المشتركة.
4. نظام مهلة الأشهر الستة (تفادي الطلاق المتسرع)
يبرز هذا المقترح كأحد أهم الحلول الوقائية لحماية عقد الزواج الذي وصفه القرآن الكريم بـ الميثاق الغليظ، ونأياً بالأسرة عن القرارات الانفعالية المتسرعة. بناءً على ذلك، ينص المقترح على أنه في حال تقدمت الزوجة بطلب للطلاق لشعورها باستحالة العشرة، لا يقضي القاضي بالانفصال فوراً، بل يمنح الزوجين مهلة حكمية مدتها 6 أشهر؛ تكون بمثابة فرصة زمنية مقصودة شرعاً وقانوناً لبعث الحكمين من أهلها وأهله للإصلاح، ولإعطاء الطرفين فرصة لتدبر العواقب ومراجعة النفس. ويحق للزوجة التمسك بطلبها بعد انقضاء هذه المدة إذا استعصت كل محاولات الصلح الثنائية والمجتمعية، بشرط جوهري وهو عدم وجود حمل؛ وذلك صوناً لحقوق الجنين وضماناً لعدم ولادة طفل جديد في ظلال نزاع قضائي، مما يجعل هذه المهلة وسيلة لحفظ الكيان الأسري لا لتقييده.
5. بوليصة التأمين الإجبارية
مقترح يهدف لتوفير شبكة أمان مادي فوري؛ حيث يتم سداد بوليصة تأمين عند عقد الزواج، تُستحق مبالغها لصالح المرأة والأطفال فور وقوع الطلاق، مما يضمن كفالة معيشية سريعة تحميهم من الحاجة خلال فترة التقاضي.
6. صندوق دعم الأسرة المصرية
يمثل الذراع الاقتصادي للدولة لحماية الأطفال من العوز نتيجة النزاعات القضائية الطويلة، وهو بند يعكس دور الدولة كراعٍ للعدالة الاجتماعية.
7. تقنين الطلاق الموثق وكد السعاية
يشمل القانون حتمية توثيق الطلاق لضمان الحقوق، بالإضافة إلى مقترح كد السعاية الذي يحفظ حق الزوجة في نصيب من الثروة التي ساهمت في تكوينها مع زوجها خلال سنوات الزواج.
دعوة للمشاركة التضامنية
إننا نوجه نداءً للقائمين على الصياغة: القانون وحده لن يغير الواقع ما لم يصاحبه منظومة دعم متكاملة:
- وزارة العدل: مطالبة برقمنة الإجراءات لضمان العدالة الناجزة.
- المؤسسات الدينية والتعليمية: عليها دور في نشر ثقافة الانفصال الراقي.
- المؤسسة الأمنية: لضمان تنفيذ الأحكام بما يحفظ كرامة الإنسان.
كلمة أخيرة
إن القانون الجديد لعام 2026 يجب أن يكون دستوراً للأمان النفسي والاجتماعي. إننا لا نصيغ نصوصاً لمعاقبة المخطئ، بل نصيغ بيئة لحماية البريء (الطفل). المسؤولية جسيمة، والآمال معقودة على خروج تشريع يضع مصلحة الطفل الفضلى فوق كل اعتبار، لتظل الأسرة المصرية هي الحصن المنيع لاستقرار الوطن.
الدكتورة سعاد العزازي أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر الشريف



