المحمل المصري: حكاية الهودج الذي حمل كسوة الكعبة وأشعل شوق المصريين للحج
المحمل المصري وهودج كسوة الكعبة

في مقال نشرته مجلة العربي عام 1974، كتب الدكتور محمود بيومي، الباحث في التاريخ الإسلامي، عن محمل الحج المصري: كيف بدأ وتطور، ولماذا ألغي. يقول فيه إن المحمل في العصر المملوكي كان ظاهرة اجتماعية وحدثًا هامًا إلى جانب كونه شعيرة دينية لدى المسلمين. وكان هذا المحمل - الهودج - يسير أمام قافلة الحج حاملاً الهدايا لبيت الله الحرام، محمولاً على الجمال.

بداية ظهور المحمل

اختلف المؤرخون حول بداية ظهور المحمل. يرى البعض أن تاريخه يعود إلى عام 1247 م، حين سافرت شجرة الدر إلى أرض الحجاز لأداء فريضة الحج. ويرى آخرون أنه كان في عهد الظاهر بيبرس، الذي اهتم بالمحمل وطافت الجمال وهي تحمله ومعها كسوة الكعبة عام 1277 م. كان بيبرس أول من اتبع هذا التقليد لتحفيز الناس على أداء شعائر الحج، وكان يومًا مشهودًا يعد الأول من نوعه في الديار المصرية، مما أضفى على الحج هالة من القداسة وأثار شوق الناس لأدائه، وجعل موسم الحج مظهرًا اجتماعيًا ومناسبة اجتماعية لدى المصريين بصفة عامة.

بيت الكسوة وصناعة كسوة الكعبة

كانت كسوة الكعبة الشريفة تُخرج من بيت الكسوة محمولة على الجمال المزينة، ويطوف الموكب بها في القاهرة فيما يُعرف بدوران المحمل. أولى سلاطين المماليك كسوة الكعبة اهتمامًا كبيرًا كل عام، فكانت هناك إدارة كاملة تشرف عليها برئاسة ناظر الكسوة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

دوران محمل الحج قبل السفر

حرص المصريون على المشاركة في احتفال دوران محمل الحج المصري مرتين سنويًا: الأولى في شهر رجب والثانية في شوال. كان من عادة المحمل أن يكون له كسوتان: كسوته اليومية من القماش الأخضر، أما كسوته المزركشة فلا يلبسها إلا في المواكب الرسمية. وعند وصوله المدينة المنورة، تُرفع عنه الكسوة المزركشة ويلبسونه مرة ثانية الكسوة الخضراء، وتوضع الكسوة في الحجرة النبوية المشرفة.

مسيرة المحمل في العصر المملوكي

بدأ المحمل مسيرة الحج في عصر المماليك من القلعة عند ميدان الرماحة، مقر حكم السلطان، حيث كان السلطان يجلس على دكة خشبية أسفل القلعة لاستعراض المحمل بما يحمله من هدايا وأقوات مرسلة للحرمين الشريفين. كان يتقدم محمل الحج المصري أمير الحج، وهو من أمراء المماليك الكبار، ويسبق المحمل كوكبة من فرسان المماليك متسلحين بملابس الميدان مع دقات الطبول. ثم يشق موكب المحمل شوارع القاهرة مارًا بباب زويلة ثم شارع بين القصرين حتى ينتهي إلى بركة الحاج، وهي نقطة التقاء الحجاج لبدء رحلة الحج بالطريق البري.

العودة إلى مصر

بعد انتهاء الحج، يعود المحمل إلى مصر مارًا من باب النصر. تُحفظ الكسوة في مخزن بوزارة المالية، وتوجد أجزاء منها في ضريح محمد علي بالقلعة. أما الكسوة الخضراء فيُكسى بها بعد العودة ضريح الشيخ يوسف السعدي بجبانة باب النصر، لأنه كان يخدم المحمل المصري أثناء حياته في رحاب البيت العتيق. ويؤدي المماليك الصغار بعض الألعاب البهلوانية بالرماح على ظهر خيولهم مع دقات الطبول.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

حوادث تعرض لها المحمل

تعرض المحمل أثناء رحلته من مصر إلى أرض الحجاز للكثير من الحوادث والمضايقات من جانب العربان. يقول ابن إياس في تاريخه إنه في عام 1517 وصل الأمر بالعربان إلى اعتراض طريق المحمل ومطالبته بدفع أموال طائلة للسماح له بالمرور، وإلا هاجموهم. ومن أهم الحوادث عام 1793 حيث قتل العربان كل أعضاء محمل الحج وأصابوا أميره بالرصاص. وفي عام 1788 تعرض موكب المحمل للهجوم من العربان ونهبوا البضائع المحملة على ستة آلاف حمل، لكن أمير الحج تصدى للعربان واستطاع الوصول بأفراد المحمل سالمين.

بعثة الحج المصرية حالياً

ظل الموكب منتظماً سنوياً حتى حادثة المحمل الشهيرة عام 1926، والتي حدثت أثناءها معركة بين قوة المحمل والنجديين، جُرح فيها ضابط وثلاثة جنود مصريين وقُتل 25 من النجديين. كانت هذه نهاية عصر المحمل، ليحل محله بعثة الحج الرسمية، وهي لا تحمل أموالاً ولا صدقات ولا أسلحة ولا جنود.