وقفة عرفات، أو يوم عرفات، من أهم أيام الحج، فلا يكتمل الحج إلا بعرفة. وقد غنت أم كلثوم قصيدة "إلى عرفات الله يا خير زائر" لتصبح علامة من علامات الحج ويوم عرفة، يستمع إليها المسلمون في بقاع الأرض فتهفو الأرواح شوقًا لزيارة بيت الله الحرام وأداء فريضة الحج. فأصبحت أشهر أغاني الحج وأجمل ما يصف هذه الرحلة المقدسة.
قصة القصيدة: من اعتذار إلى إبداع
كتب أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة "إلى عرفات الله" عام 1910، وأهداها للخديوي عباس حلمي الثاني الذي ربطته به علاقة صداقة قوية. دعاه الخديوي لمرافقته في رحلة الحج، ولأن شوقي كان يخاف ركوب الإبل والخيل أو السفر بالسفن، ولا يتحمل السفر على ظهورها، فقد حاول التملص والاعتذار. اعتذر بحجة ضعفه وعدم قدرته على السفر، وكتب هذه القصيدة وأهداها للخديوي كنوع من المصالحة، كما ذكر المؤرخ محمد لبيب البتانوني الذي تولى توثيق الرحلة في كتاب بعنوان "الرحلة الحجازية لولي النعم الحاج عباس حلمي باشا الثاني".
وكان مطلع القصيدة التي تكونت من 63 بيتًا في بداية كتابتها: "إلى عرفات الله يا بن محمدٍ عليك سلام الله في عرفات"، وتضمنت اعتذار شوقي عن السفر الذي خيره الخديوي بين البحر والبر قائلًا: "دعاني إليك الصالح ابن محمد فكان جوابي صالح الدعواتِ.. وخيرني في سابحٍ أو نجيبةٍ إليك فلم أختر سوى العبراتِ.. وقدمت أعذاري وذلي وخشيتي وجئت بضعفي شافعا وشكاتي.. ويا رب هل تغني عن العبد حجة وفي العمر ما فيه من الهفوات".
نجاة علي: البداية الأولى
في عام 1949، اختارت المطربة نجاة علي قصيدة "إلى عرفات الله" لتغنيها. لحنها الموسيقار عبد الفتاح بدير وسجلتها للإذاعة في نفس العام. وبعد سنوات، أعجبت أم كلثوم بالقصيدة وأرادت غنائها، ولكن بلحن جديد. اختارت الملحن رياض السنباطي لإعادة تلحين الأغنية بعد أن طلبت من الشاعر أحمد رامي تغيير بعض الكلمات للخروج بالنص من الخاص إلى العام، ولتعديل بعض الأبيات التي تمدح الخديوي.
تعديلات أحمد رامي
قام الشاعر أحمد رامي بتعديل مطلع القصيدة من: "إلى عرفات الله يا بن محمد"، لتكون "إلى عرفات الله يا خير زائر"، واختار 25 بيتًا فقط من القصيدة، بزيادة 12 بيتًا عن الأبيات التي غنتها نجاة علي.
رفض الإذاعة ثم الموافقة
برغم ورعة القصيدة، رفضت الإذاعة تسجيلها بصوت أم كلثوم في البداية لأن زميلتها نجاة علي سبقتها بالتسجيل، ودفعت الإذاعة لها أجر اللحن والكلمات والتسجيل. أكد مسئولو الإذاعة أنه ليس من حق أم كلثوم إعادة تسجيل القصيدة، خاصة وأنها كانت وقتها نقيبة الموسيقيين. لكن أم كلثوم استأذنت زميلتها نجاة علي لغنائها وحصلت على تنازل منها عن الأغنية، كما أقنعت مسئولي الإذاعة وتم تسجيل القصيدة. أدتها أم كلثوم في حفلة عامة على مسرح الأزبكية عام 1955.
تغييرات أم كلثوم في الكلمات
غيرت أم كلثوم في القصيدة كلمات الشطر الذي يقول "أرى الناس أصنافا ومن كل بقعة" إلى "أرى الناس أفواجا ومن كل بقعة"، كما غيرت عبارة "إذا زرت يا مولاي قبر محمد" إلى "إذا زرت بعد البيت قبر محمد"، وغيرت "وفاضت مع الدمع العيون مهابة" إلى "وفاضت من الدمع العيون مهابة".
التلفزيون والفيديو كليب الأول
مع بداية التلفزيون في مصر عام 1963، أعادت كوكب الشرق أم كلثوم غناء الأغنية وتصويرها للتلفزيون بكاميرا سينما لأول مرة على طريقة الفيديو كليب. صمم المخرج شادي عبد السلام الكليب، وصوره وحيد فريد وأخرجه أحمد بدرخان. كانت تبكي وهي تغنيها متأثرة خاشعة.
كلمات الأغنية الخالدة
تقول كلمات الأغنية: "إلى عرفات الله يا خير زائر / عليك سلام الله في عرفات.. ويوم تولي وجهة البيت ناضرا / وسيم مجال البشر والقسمات.. على كل أفق في الحجاز ملائكة / تزف تحايا الله والبركات.. لدى الباب جبريل الأمين براحه.. رسائل رحمانية النفحات / وفي الكعبة الغراء ركن مرحب.. بكعبة قصاد وركن عفات/ وزمزم تجري بين عينيك أعينا .. من الكوثر المعسول منفجرات / لك الدين يارب الحجيج جمعتهم.. لبيت طهور الساح والشرفات".
هكذا تحولت القصيدة من اعتذار شخصي إلى أيقونة روحانية خالدة، تردد في كل موسم حج، لتربط بين الماضي والحاضر في أبهى صور الإبداع الفني.



