حديث قلب حسن علام دارة الملك عبد العزيز.. رحلات حج المؤسس
دارة الملك عبد العزيز: صرح ثقافي وطني
محظوظ من زار دارة الملك عبد العزيز، في هذا الصرح الجميل تشم رائحة التاريخ وتحتضنه. هي مؤسسة ثقافية وطنية تأسست بمرسوم ملكي ومكانها الرياض، ويتولى إدارتها الآن مجموعة من العقول العلمية السعودية الراقية. تقدم لضيوف المملكة صورة مشرفة لتاريخ بلادها وتراثها وثقافتها وتعزيز مكانتها؛ إذ تفتح ذراعيها وتمد يد العون لكل الباحثين المحبين للمملكة العربية السعودية، وتدعوهم لبناء شراكة فعالة منصفة.
وسيندهش الضيف الزائر أيضا من الاطلاع على المخطوطات الأصلية النادرة التي تحكي أهم الأحداث المنصرمة، وتاريخ الشخصيات الهامة المؤثرة في تاريخ ومستقبل البلاد، وعلى رأسهم بالطبع مؤسس المملكة العربية السعودية وباني نهضتها الحديثة الملك عبد العزيز آل سعود، في مراحل حياته المختلفة وسنوات حكمه.
رحلات الحج للإمام المؤسس
واستوقفتني رحلات حج الإمام المؤسس في هذا التوقيت الذي يحتفل به العالم الإسلامي بحلول عيد الأضحى المبارك، وتأدية فريضة الحج وسط هذه المواقف الإيمانية الخاشعة.
أعلن الملك عبد العزيز عام 1360هـ في وثيقة رسمية، عدم ذهابه إلى الحج، توفيرًا للمصاريف وتوزيعها على الفقراء، وكانت خزينة الدولة حينها لم تنتعش من إيرادات النفط.
وخلال ثلاثين عامًا من دخول الحجاز تحت حكم سلطان نجد الملك عبد العزيز، لم يترك الحج وقيادة الحج سوى 6 أعوام، حيث كان يقوم فيها بنفسه بإمارة الحج، كما يذكر عدد من الباحثين والمصادر التاريخية التي وثقت ذلك.
وكان الملك الذي أولى الحرمين عناية فائقة، لم يشهدها المكان في سابقه، قاد مواكب الحج بنفسه منذ دخول الحجاز تحت حكمه ما بين عامي 1342ـ1343.
بينما تعد الأعوام التي تخلف فيها الملك عبد العزيز عن قيادة ركب الحجاج، أناب فيها اثنان هما: نائبه في الحجاز الملك فيصل بن عبد العزيز، وأربع منها أناب ولي عهده الملك سعود، وكانت اثنتان منها لتوفير مصاريف الحج، وأربع منها لعجزه صحيًا أواخر حياته.
ومما يُذكر، أن الملك المؤسس توفي في الطائف بعد الحج، وهو يتابع عن قرب شؤون الحجاج، بعد أن بلغ به المرض مبلغًا صعبًا وتوفي في أوائل سنة 1373 بعد حج 1372، في عام وصفه السعوديون بالحزين في ذلك الوقت.
برقية تاريخية من الملك المؤسس
وتحتفظ دارة الملك عبد العزيز ببرقية شهيرة، يعلن فيها الملك المؤسس عدم عزمه على الحج، وقيادة ركب الحجيج في عام (1360هـ) تخفيضا للمصاريف وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، وتقول نص البرقية التي صدرت في شهر ذي القعدة قبل الوقوف بعرفة بنحو شهر: "هذه السنة عزمنا على عدم الحج، والقصد من ذلك توفير المصاريف لأجل توزيعها على الفقراء والمحتاجين في البلاد، أحببنا نخبركم في ذلك لأجل تخبرون أطرافكم لئلا يستنكرون عدم حجنا، وهو ولله الحمد ما هنا سبب غير ما ذكر، والبادية وأهل الهجر اركبوا لهم وخبروهم وأهل البلد أعلنوا لهم ذلك".
وكذلك في برقية أخرى تحتفظ بها دارة الملك عبد العزيز ضمن وثائقها الرسمية تعود إلى 4 ذي القعدة من عام 1360هـ بين فيها الأمير عبد الله الفيصل الذي كان أميرًا للقصيم سبب عدم حج الملك عبد العزيز جاء في نصها: "من عبد الله بن فيصل إلى جناب الأخ المكرم محمد العبد الله بن ربيعان.. سلمه الله.. بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نفيدكم أن الإمام حفظه الله قد عزم هذه السنة عدم الحج بنفسه، وقصد من ذلك توفير المصاريف التي يصرفها كل سنة في مكة، لأجل توزيعها على مستحقيها من الفقراء والمساكين، وقد أمرنا أيضًا تبليغكم بذلك، نرجو أن يديم الله حياته للإسلام والمسلمين، هذا ما لزم تعريفه".
تفاصيل رحلات الحج
وكان الملك عبد العزيز يحج معه آلاف الناس من الفقراء والمعوزين، ومن لم يجدوا ركوبًا. في حين أن سنة 1344هـ شهدت أول دخول للسيارات إلى مكة، وكان عددها قليل جدا، وهي السنة التي حج فيها الملك المؤسس على السيارات، وكان العدد لا يتجاوز 4 سيارات، في حين حج الغالبية على الإبل والأقدام.
ويعد هذا التاريخ، نقطة التحول في الوصول لمكة عبر السيارات، وزاد العدد في السنة التالية، حتى تم تأسيس وزارة للمواصلات في عام 1372 قبيل وفاة المؤسس.



