محمود مرزوق يكتب: المؤيد شيخ وولده إبراهيم. كتب: محرر 05:08 م | السبت 30 مايو 2026.
المماليك: بين المجد والمأساة
حكم المماليك مصر قرابة قرنين ونصف من الزمان، بدأت دولتهم بلحظة مجد فريدة عندما قهروا التتار في موقعة عين جالوت، وغابت شمس دولتهم الزاهرة عندما سحقهم العثمانيون وشنقوا سلطانهم طومان باي على باب زويلة عام 1517م. بين هذين الحدثين، قدم المماليك للتاريخ فصولاً من الدراما الإنسانية وتناقضات النفس البشرية في أعقد صورها.
فالمماليك هم فرسان الإسلام الذين قهروا الصليبيين واستأصلوا شأفتهم من مصر والشام، وهم من رتقوا ثوب العالم الإسلامي المهلهل ووحدوا الصفوف في مواجهة التتار وألحقوا بهم الهزيمة تلو الأخرى حتى اندثر خطرهم الداهم. كما تكفلوا برعاية الحرمين الشريفين وعمارتهما وتأمين طرق الحج للقادمين من كل فج، وعمروا المدارس وتكفلوا بطلبة العلم والفقراء والمساكين وغيرها من أوجه البر والإحسان.
أما وجه المماليك الآخر فتعلوه غبرة، تلطخه الفتن والصراعات والإفراط في سفك الدماء دون وجه حق. ففي مستهل القرن الثالث عشر، وقعت فتنة عظيمة في القاهرة عندما تمرد الأمير منطاش على غريمه السلطان برقوق، وكان منطاش يرغب في الانقضاض على تخت السلطنة. ألقت هذه الأزمة بظلالها القاتمة على حياة الناس، وصار المتمردون ينهبون الأسواق والأموال ويلوثون الماء العذب ويقتلون الدواب حتى تتزلزل الأرض تحت أقدام السلطان الجالس في القلعة وتذهب هيبته من قلوب العامة والخاصة.
ولادة البطل من رحم الأزمات
في خضم الأزمات يولد الرجال. فقد زج منطاش بالعديد من مماليك برقوق إلى غياهب السجون، كان منهم الأمير شيخ المحمودي الذي اشتراه تاجر يُدعى الخواجا محمود شاه فنُسب إليه وعُرف بشيخ المحمودي. وقد قاسى من صنوف الهوان ألواناً، وقال له السجان: إذا قُدِّر وخرجت من سجن خزانة شمائل فوجهتك معروفة، القرافة. تضرَّع شيخ لله وابتهل أن يُخرجه من هذا الضيق، ونذر إن صار سلطاناً أن يهدم هذا المكان الموحش ويبني في موقعه مسجداً يُذكر فيه اسم الله ويُسبَّح له فيه بالغدو والآصال.
وخرج شيخ المحمودي وتقلب في المناصب حتى تسلطن على مصر وعلا نجمه وتحرك له طالع السعد، فأوفى بنذره وبنى مسجداً فخيماً صار من مفاخر العمارة الإسلامية في زمانه وحتى يوم الناس هذا. ومما يحار في فهمه العقل أن المؤيد شيخ أمر عماله أن ينهبوا ويقتلعوا الرخام من بيوت القاهرة ويزينوا به مسجده، فتعجَّب الناس وامتعضوا وسخروا وأطلقوا عليه «المسجد الحرام» وعزفوا عن الصلاة فيه.
مأساة إبراهيم الصارمي
رُزق المؤيد شيخ بصبى سماه إبراهيم، سرعان ما ظهرت عليه مخايل النجابة فشب عن الطوق وتعلم الفروسية وفنون القتال، وأظهر حنكة وعقلاً راجحاً رغم حداثة سنه. ولما دفع به أبوه لساحات المعارك أبلى بلاءً حسناً في المعارك وهزم الخارجين والمتمردين في الشام. نظر الناس لإبراهيم نظرة ملؤها الإعجاب، وصار يُعرف بإبراهيم الصارمي كناية عن فروسيته وصرامته. أما المماليك فتحسروا عندما قارنوا أبناءهم الغارقين في اللهو والمجون بالصارمي السلطان المنتظر.
سارع أحدهم وهمس للسلطان أن العامة والخاصة سيجتمعون لخلعه من السلطة وتنصيب ولده إبراهيم. انتصرت شهوة السلطة على غريزة الأبوة، ودس الزرنيخ لوحيده. انتبه المؤيد لشناعة فعلته بينما يحتضر ابنه، وخرجت جنازته المشهودة من القلعة يبكيه محبوه وأبوه. ووري الثرى في مسجد أبيه الذي لحق به بعد سبعة أشهر ودُفن جواره في مفارقة لا يجود بها إلا زمن المماليك.
هذه القصة تعكس التناقضات العميقة في تاريخ المماليك، حيث المجد والحضارة يقترنان بالعنف والصراع على السلطة، تاركين دروساً وعبراً للأجيال.



