منذ أكثر من أربعة عشر عامًا، تمر الرياضة المصرية، خاصة كرة القدم، بمرحلة استثنائية بدأت بعد الأحداث المؤسفة في الملاعب. تحولت المدرجات تدريجيًا من ساحات نابضة بالحياة إلى مقاعد صامتة تفتقد أهم عنصر في اللعبة: الجماهير.
دور الجماهير في الرياضة الحديثة
الجمهور ليس مجرد متفرج يحمل راية فريقه ويهتف باسمه، بل هو عنصر أساسي في صناعة الرياضة الحديثة. وجود الجماهير يمنح اللاعبين الحافز لتقديم أفضل ما لديهم، ويخلق أجواءً تميز كرة القدم عن غيرها من وسائل الترفيه. كما أن امتلاء المدرجات يرفع القيمة التسويقية للدوري ويزيد جاذبيته للمشاهدين والرعاة ووسائل الإعلام.
تأثير غياب الجماهير
على مدى السنوات الماضية، دفعت الرياضة المصرية ثمن غياب الجماهير أو تقييد حضورها. انعكس هذا بوضوح على أداء الأندية والمنتخبات خارج الأرض، حيث يواجه اللاعبون ملاعب ممتلئة بجماهير الخصم في البطولات الأفريقية والعالمية، بينما اعتادوا محليًا على اللعب في أجواء هادئة تفتقد الحماس والضغط الجماهيري الطبيعي، وهو جزء أساسي من تكوين اللاعب نفسيًا وفنيًا.
تجربة كأس الأمم الأفريقية 2019
عندما نظمت مصر بطولة كأس الأمم الأفريقية 2019، ظهرت بارقة أمل مع تطبيق نظام بطاقة المشجع وربط التذاكر بالهوية الشخصية إلكترونيًا. نجحت التجربة تنظيميًا وأمنيًا، وأثبتت أن مصر قادرة على تنظيم البطولات الكبرى بأحدث التقنيات.
مشكلة الإجراءات الدائمة
لكن المشكلة بدأت عندما تحولت الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم ومعقد لحضور مباريات الدوري المحلي. أصبح المشجع مطالبًا باستخراج بطاقة سنوية مدفوعة وتحديد النادي الذي ينتمي إليه، مع إجراءات متعددة لشراء التذاكر ودخول الملاعب.
تساؤل منطقي
هل أصبح الانتماء الرياضي قيدًا إداريًا؟ إلزام المشجع بتحديد نادٍ واحد لا يتماشى مع طبيعة الرياضة الحديثة. من حق أي مواطن أو سائح حضور أي مباراة يرغب فيها للاستمتاع بكرة القدم، بغض النظر عن انتمائه الكروي.
النموذج الأوروبي
في الدول الأوروبية الكبرى مثل إنجلترا وإسبانيا، أصبحت الرياضة جزءًا من صناعة السياحة والترفيه. يستطيع السائح شراء تذكرة لمباراة في الدوري الإنجليزي أو الإسباني عبر تطبيق إلكتروني في دقائق، دون حاجة لبطاقة تعريف سنوية أو إثبات انتماء لنادٍ معين. بل إن مباريات كرة القدم والتنس وغيرها أصبحت عنصر جذب سياحي رئيسي، يدر مليارات الدولارات سنويًا ويعزز صورة الدول عالميًا.
تعقيدات الحضور في مصر
في المقابل، ما زالت عملية حضور المباريات في مصر تواجه تعقيدات أدت إلى عزوف قطاع كبير من الجماهير، ليس فقط بسبب الأعداد المحدودة، بل أيضًا نتيجة الإجراءات الطويلة وارتفاع تكلفة الحضور وصعوبة الحصول على التذاكر وغياب المرونة في النظام الحالي. استمرار الاعتماد على التذاكر الورقية في كثير من المباريات يمثل عبئًا إضافيًا من حيث التكلفة والتنظيم، بينما اتجه العالم إلى الحلول الرقمية الحديثة مثل QR Code والتطبيقات الإلكترونية، مما يضمن السرعة والدقة ويقلل التكاليف ويكافح التزوير ويحسن تجربة المشجع.
الحلول التكنولوجية
المستقبل الحقيقي لتنظيم المباريات لا يكمن في المزيد من القيود، بل في الاعتماد الكامل على التكنولوجيا الحديثة، من خلال:
- التذاكر الرقمية عبر QR Code
- تطبيقات إلكترونية موحدة لشراء التذاكر
- أنظمة مراقبة وكاميرات ذكية
- عقوبات فردية للمخالفين بدلًا من العقوبات الجماعية
- تسهيل دخول العائلات والسياح والجماهير المحايدة
رسائل سياسية تدعم العودة
المدرجات الممتلئة ليست خطرًا إذا تم تنظيمها بشكل احترافي، بل هي عنوان نجاح أي منظومة رياضية. خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر، لفتت الأنظار مشاهد ممارسته رياضة الجري في شوارع الإسكندرية وسط المواطنين، في صورة عكست حالة الاستقرار والأمان في مصر. كما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائه بالرئيس السيسي على استقرار مصر وقدرتها على فرض الأمن رغم التحديات الإقليمية. تؤكد هذه الرسائل أن مصر تمتلك القدرات الأمنية والتنظيمية لإدارة الأحداث الرياضية الكبرى بصورة حديثة وآمنة، مما يدعم فكرة التوسع التدريجي والمدروس في عودة الجماهير مع الاعتماد على التكنولوجيا والتنظيم الاحترافي بدلًا من القيود التقليدية.
خلاصة
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الرياضة بدون جماهير تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها وروحها. الكرة المصرية، بما تمتلكه من جماهيرية وتاريخ وأندية كبيرة، تستحق أن تعود ملاعبها نابضة بالحياة في إطار من التنظيم والأمن والتكنولوجيا الحديثة، يليق باسم مصر وتاريخها.



