أعلن الجيش الإسرائيلي سيطرته على قلعة الشقيف التاريخية، المعروفة أيضا باسم "بوفور"، في جنوب لبنان، وذلك ضمن إطار توسيع عملياته العسكرية في المنطقة. وتعد القلعة من أبرز المعالم التاريخية والاستراتيجية في الجنوب اللبناني، نظرا لموقعها المرتفع وإشرافها على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة.
الأهمية الاستراتيجية لقلعة الشقيف
تتصدر قلعة الشقيف المشهد الأمني والعسكري في الجنوب اللبناني كلما تصاعدت التوترات على الحدود، نظرا لما تتمتع به من أهمية استراتيجية استثنائية تجعلها واحدة من أبرز النقاط المرتفعة المشرفة على مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية والفلسطينية المحتلة. ويثير أي تحرك عسكري يتعلق بهذه القلعة تساؤلات حول انعكاساته على موازين القوى واحتمالات التصعيد أو التهدئة في المنطقة.
تقع قلعة الشقيف على ارتفاع يتيح مراقبة مساحات واسعة من الجنوب اللبناني، بما في ذلك مجرى نهر الليطاني والمناطق الحدودية. وهذا الموقع الجغرافي منحها عبر التاريخ قيمة عسكرية واستخباراتية كبيرة، حيث توفر قدرة على الرصد المبكر ومتابعة التحركات العسكرية في محيطها.
المكاسب العسكرية من السيطرة على القلعة
تمثل السيطرة على القلعة مكسبا عسكريا مهما لأي طرف، ليس فقط بسبب رمزيتها التاريخية، بل لأنها تمنح أفضلية ميدانية في عمليات المراقبة وتوجيه النيران وجمع المعلومات الاستخباراتية. كما أن امتلاك نقطة مرتفعة بهذا الحجم يعزز القدرة على التحكم النسبي بخطوط الحركة والإمداد في المناطق المحيطة.
على صعيد موازين القوى، فإن أي تغيير في وضع القلعة أو محيطها قد يفسر باعتباره رسالة سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الموقع نفسه. فجنوب لبنان يشكل ساحة حساسة ترتبط بحسابات الردع المتبادلة بين الأطراف المتصارعة، ما يجعل أي تقدم أو تمركز جديد في مواقع استراتيجية عاملا مؤثرا في المعادلات الأمنية القائمة.
التأثير على احتمالات التصعيد والتهدئة
أما فيما يتعلق باحتمالات التصعيد أو التهدئة، فإن الأمر يعتمد إلى حد كبير على طبيعة التحرك العسكري وأهدافه. فإذا اعتبر التحرك جزءا من عملية محدودة أو إجراء دفاعي، فقد تبقى التداعيات ضمن نطاق الاحتواء. وإذا فسر باعتباره محاولة لتغيير قواعد الاشتباك أو فرض وقائع ميدانية جديدة، فقد يؤدي إلى ردود فعل متبادلة ترفع منسوب التوتر وتزيد احتمالات المواجهة.
وإقليميا، تتجاوز أهمية قلعة الشقيف حدود الجنوب اللبناني، إذ ترتبط التطورات الميدانية هناك بالأمن الإقليمي الأوسع، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية في المنطقة. وأي تصعيد قد يؤثر على استقرار الحدود ويزيد من المخاوف بشأن اتساع رقعة التوتر، بينما يمكن أن يسهم ضبط الأوضاع والحفاظ على التوازنات القائمة في دعم جهود التهدئة ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
وفي المحصلة، تبقى قلعة الشقيف أكثر من مجرد معلم تاريخي أو موقع جغرافي مرتفع، فهي نقطة ذات ثقل استراتيجي وعسكري ورمزي، تجعل أي تطور يتعلق بها محل متابعة دقيقة من الأطراف المحلية والإقليمية، لما قد يحمله من تأثيرات مباشرة على المشهد الأمني في الجنوب اللبناني والمنطقة بأسرها.
تحليل الخبير السياسي الدكتور عبد الله نعمة
يقول الدكتور عبد الله نعمة، المحلل السياسي اللبناني، إن جيش العدو الإسرائيلي وجه إنذارا عاجلا إلى سكان جنوب لبنان وخاصة جميع السكان المتواجدين جنوب نهر الزهراني. وأضاف أن الجيش ادعى أنه في ضوء قيام حزب الله بخرق اتفاق وقف إطلاق النار واستهدافه للجبهة الداخلية الإسرائيلية، يضطر جيش الدفاع للعمل بقوة ضده، مشيرا إلى أنه بالأمس احتل قلعة الشقيف ومحيطها والتلال المحيطة وأصبح على مشارف مدينة النبطية على بعد 500 متر.
وأضاف نعمة خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "وهي ثاني أكبر مدن الجنوب، وهو يحضر لعملية واسعة في مرتفعات الشقيف ووادي السلوقي لينقض ويقوم باحتلال مزيد من المناطق والبلدات والمدن مثل النبطية وصولا إلى إقليم التفاح، وبهذا يكون قد سقط الجنوب عسكريا لحدود نهر الأولي، ويقوم بقطع الإمدادات على حزب الله من البقاع إلى الجنوب. وهذا بعدما دمر مدينة صور المدينة السياحية بامتياز، مدينة صور عمرها سبعة آلاف سنة، إنها أهم مدينة فينيقية ويوجد فيها أهم معالم أثرية رومانية بالعالم، مدينة صور موجودة على لائحة التراث العالمي".
وتابع: "وتعتبر أنها محمية دوليا، لكن إسرائيل تضرب كل شيء بعرض الحائط. إن مدينة صور خالية أساسا من أي تنظيم مسلح ولا يوجد في داخلها مخازن سلاح ومكاتب لحزب الله، وهي محسوبة سياسيا على دولة الرئيس نبيه بري رئيس المجلس النيابي وليست مدينة تابعة لحزب الله".
وأشار نعمة إلى أن كل سكانها من المدنيين العزل، وهي مدينة تجارية وسياحية، وإسرائيل تقوم بضربها وتدميرها، وهي تعلم أنه لا يوجد في داخلها عناصر وقيادات لحزب الله. تم تدميرها بشكل ممنهج بتدمير أحيائها تدميرا كليا، وتقوم بالاعتداء وتدمير تراثها وما تملكه من تاريخ عبر العصور. إنها المدينة الوحيدة التي قاومت الإسكندر المقدوني، إنها عاصمة جبل عامل والملاذ الآمن للنازحين من المناطق. إن قضاء مدينة صور يبلغ 366 بلدة جنوبية. إن جيش الاحتلال يقوم باحتلال الجنوب وقد بدأ فعليا بالمرحلة الثانية وهي وصوله لنهر الأولي، وبعدها يقوم بالمرحلة الثالثة وصولا إلى الضاحية في بيروت واحتلال البقاع وصولا إلى الحدود السورية.
وأكد: "إسرائيل تقوم بتدمير لبنان وأرزاق اللبنانيين، وخاصة في المرحلة الأولى من الاحتلال ما سمته المنطقة الصفراء ودمرتها وقامت بجرف كل المباني فيها على نحو ما قامت به في غزة، بحجة أنها حماية لشمال إسرائيل، وهي سمتها منطقة عازلة ومنزوعة السلاح. اليوم تقوم بنفس الطريقة والأسلوب بحجة أن حزب الله قام بخرق اتفاق وقف إطلاق النار وضربه بالأمس شمال إسرائيل. نحن نعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية أعطتها الفرصة والضوء الأخضر باحتلال الجنوب والقضاء على حزب الله، وتراوغ بالمفاوضات مع إيران من جهة ومع لبنان وإسرائيل بالتفاوض عبرها".
وأردف: "ولن يكون هناك أي نتيجة للتفاوض الآن لغاية ما ينتهي الجيش الإسرائيلي من احتلاله للجنوب وصولا لنهر الأولي في صيدا عاصمة الجنوب وبوابة بيروت. يمر لبنان بظرف صعب للغاية، والدولة اللبنانية تضيع بين حزب الله المدعوم من إيران وبين إسرائيل المدعومة من أمريكا، وليس لدى لبنان سوى أمل واحد وهو التفاوض مع إسرائيل عبر الولايات المتحدة الأمريكية".
واختتم: "الولايات المتحدة التي وحدها تملك الضغط على إسرائيل لحل يمكن أن يكون قريب خلال الـ 60 يوما في ظل حل شامل في منطقة الشرق الأوسط. ومن الممكن أن تتجدد الحرب بين أمريكا وإيران، تكون إسرائيل قد رفعت يد إيران عن لبنان بعد احتلال الجنوب، ورضوخ لبنان وحكومته يصبح حتميا للغطرسة الإسرائيلية للأسف".



