يسرا زهران: الشعوب خط الدفاع الأول في صراعات المستقبل (الحلقة الخامسة)
يسرا زهران: الشعوب خط الدفاع الأول في صراعات المستقبل

تكتب يسرا زهران: الشعوب خط الدفاع الأول في صراعات المستقبل (الحلقة الخامسة). يأتي الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب من دولة أدركت مبكراً قيمة التكنولوجيا وذاقت حلاوتها في ازدهار اقتصادها، وعرفت مؤخراً معنى أن تكتوي بها وتصبح في مرمى نيران حروب غير تقليدية تتخذ من وسائل الاتصال الحديثة أسلحة لها، تضرب القلوب والعقول عبر الحدود وتختفي وراء تقنيات معقدة مظلمة.

فنلندا والتكنولوجيا: من نوكيا إلى البنية التحتية الرقمية

فنلندا هي الدولة التي قدمت للعالم هواتف نوكيا الشهيرة التي كانت تحتل جيوب معظم سكان الكرة الأرضية قبل أن تبدأ الهواتف الذكية في سحب البساط من تحتها. نوكيا الذكية بدورها حولت اهتمامها وتركيزها لتطوير البنية التحتية للاتصالات والخدمات الرقمية في دول العالم، إدراكاً منها أن مستقبل العالم وسكانه وأعماله وخدماته يتوقف بالكامل على تطوير هذه البنية. وفي خلال أعوام قليلة من تحول نوكيا الهواتف إلى نوكيا المطورة للبنية التحتية المعلوماتية والرقمية، صارت الدنيا شبكة هائلة من وسائل الاتصالات الحديثة التي تربط أفراد العالم لحظياً بعضهم ببعض. أي حدث يجري في أي مكان في العالم يجد صداه في مشاعر وأفكار أشخاص يجلسون على الطرف الآخر من الخريطة. لكن الجانب السلبي لهذا الاشتباك أن الحدود الرقمية في عالم تكنولوجيا اليوم يصعب حمايتها كما تتم حماية الحدود الجغرافية، واختراق عقول الشعوب بمعلومات مضللة وأفكار مزيفة وتخويف بلا أساس قد أصبح ممارسة يومية تواجهها الدول على اختلاف توجهاتها ونظمها والتحديات التي تواجهها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ستوب: الميديا الحديثة نعمة ونقمة

شهد ألكسندر ستوب، بحكم رئاسته لدولة تقع على الحدود الروسية ويشوب التوتر علاقاتها مع موسكو في كثير من الأحيان، حروباً تحسمها التطورات التكنولوجية في ساحات المعارك على الأرض، وتزداد اشتعالاً بهجمات تدور في الفضاء الرقمي، إما بعمليات تخريب سيبرانية أو قرصنة معلوماتية مباشرة أو بحملات من التلاعب بأعصاب الشعوب وأفكارها لدفع الرأي العام نحو تيارات أو أفكار بعينها، تضع بصمتها وتأثيرها على قرارات السياسات الخارجية للدول فيما بعد. طرح ستوب رؤيته لتلك الحروب الحديثة في كتابه الذي صدر مؤخراً تحت عنوان "مثلث القوة: إعادة التوازن للنظام العالمي الجديد". في ذلك الكتاب، تظهر أهمية الدور الذي تلعبه الشعوب في المرحلة القادمة من الصراعات الدولية. كيف أصبح الوعي الشعبي عاملاً أساسياً لتأمين دول العالم على اختلافها، في مواجهة من يستهدفون ضرب أمنها واستقرارها من خلال زعزعة ثقة الشعوب فيها. المسائل البسيطة تتحول أونلاين إلى ساحات معارك داخلية تُصعب على المجتمعات إدارة الحوار أو إيجاد أرضية مشتركة أو التوصل لحلول دائمة. يأتي كلام ألكسندر ستوب ليعبر عن وجهة نظر رئيس دولة تؤمن بالنظام الديمقراطي الذي يحترم الحريات الفردية وحقوق المواطنين الكاملة في أن يقرر كل واحد منهم ما يعتقده ويقوله ويريده لنفسه، لكنه يضع في المقابل مسئولية مضاعفة على هذا المواطن لكي يحدد بنفسه لنفسه ما هو صحيح وما هو كاذب فيما يتعرض له من معلومات في عالم اليوم. يواجه ستوب هذه الإشكالية بشكل شبه لحظي في تعامله مع المواطنين أو الناخبين الذين يتابعون كل تصريحاته وتحركاته ويعلقون عليها على وسائل الميديا الحديثة التي أصبح يتعامل معها على أنها نعمة ونقمة في نفس الوقت، مثلها مثل معظم ابتكارات التكنولوجيا الحديثة، وكانت بداية تلاعب التكنولوجيا بأعصاب الشعوب وتحديدها لمصير المعارك على الأرض قد بدأ، كما يرى، من الحرب الروسية الأوكرانية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تقنيات التزييف العميق والفوضى

يقول كتاب الرئيس الفنلندي: "لقد أظهرت الحرب الأوكرانية أن الجيوش ما زالت بحاجة إلى المعدات العسكرية التقليدية، مثل الصواريخ والمدفعية والدبابات، من أجل السيطرة على الأراضي، إلا أن الطائرات المسيرة، أو الطائرات بدون طيار، سريعة الإنتاج ورخيصة التكاليف قد أثبتت أنها أكثر الأسلحة فتكاً على الجانبين. عندما بدأت الحرب، كانت أوكرانيا تنتج القليل من هذه الطائرات المسيرة، وفي عام 2025، بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب، أصبحت كييف تستهدف إنتاج 4.5 مليون طائرة مسيرة". ويواصل: "ما يبدو إذاً وراء الأفق هو أن الطائرات المسيرة والروبوتات وأنظمة إطلاق النيران التي يتم توجيهها رقمياً سوف تجعل من القتال أمراً آلياً بشكل متزايد. معدات الجنود التي كانت يوماً ما محملة بالمسدسات والذخيرة سوف يتم نشرها الآن لتشغيل طائرات مقاتلة بدون طيار. سوف يجلس الطيارون المقاتلون خلف أجهزة التحكم في مواقع بعيدة لكي "يطيروا" بجيل جديد من الطائرات الحربية. سوف تطور الأطراف المتحاربة هذه الأساليب بالتوازي مع الهجمات الهجينة التي تستهدف زعزعة حياة المواطنين داخل بيوتهم". ويوضح ستوب معنى ومدى ما يحدث خلال تلك الحروب الهجينة قائلاً: "إن الحرب الهجينة تؤدي إلى إجهاد المواطنين مباشرةً حتى وإن كانوا موجودين بعيداً عن ساحة المعركة، بطريقة لا تقدر عليها الحرب التقليدية. الواقع أن الرفاهيات التكنولوجية التي نأخذها كأمر مسلم به في حياتنا اليومية تجعلنا أيضاً في موقف هش. الهجمات السيبرانية مثلاً يمكن أن تمنع وصولك إلى أموالك أو حصولك على وصفة طبية. التخريب يمكن أن يؤدي إلى انقطاع الكهرباء. حملة معلومات مضللة يمكن لها أن تملأ حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعي بصور ومعلومات مصنوعة بتقنيات التزييف العميق بشكل يجعلك غير واثق من الحقيقة. والهدف بالضبط هو الفوضى التي تنتج عن ذلك: أن يتم إحداث تلك الفوضى التي تضعف من المعنويات العامة والدعم أو التأييد السياسي". هذا الأمر يعني، كما يرى ستوب، أن الشعوب قد أصبحت هي خط الدفاع الأول عن أمن أي دولة، وأن زيادة وعي الأفراد لكي يميزوا بين ما هو صحيح وما هو مضلل مما يتعرضون له من معلومات هو السبيل لتقليل خطر تلك الهجمات على العقول. يقول: "كل هذا يعني أن الأمن القومي يعتمد الآن أكثر من أي وقت مضى على المرونة الإدراكية والمعرفية للمواطنين أنفسهم. لمواجهة مثل هذه الاعتداءات، يحتاج الناس في كل يوم إلى القوة والحكمة والثبات للتعامل مع الاضطرابات التي يواجهونها في الوقت الذي ينظرون فيه للأمور من المنظور الصحيح، لكي يحافظوا على هدوئهم ويقدرون على المواصلة. المرونة المجتمعية أصبحت اليوم مسألة أمن قومي، لأننا جميعاً أصبحنا جزءاً من الدفاع". الناس الآن يحتاجون يومياً إلى القوة والحكمة والثبات للتعامل مع الاضطرابات والنظر للأمور بشكل صحيح والحفاظ على هدوئهم. ويواصل: "اليوم، سواء في فنلندا أو في أي مكان في العالم، دائماً ما يصبح الخط الفاصل بين السياسة الخارجية والداخلية خطاً ضبابياً. إن الديناميكيات الداخلية تُعتبر دوافع وأعراضاً لتغير النظام العالمي في الوقت الحالي، وإن كان تأثير السياسات الداخلية على السياسات الخارجية ليس بالجديد. فمثلاً، أجبر المزاج الأمريكي العام الذي كان يميل إلى الانعزالية الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت على تأخير دخول الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية حتى قصفت اليابان ميناء بيرل هاربور، والديمقراطية في أساسها هي تعبير عن الاتفاق العام. لكن اليوم، أصبح السياسيون يروجون لمواقفهم في السياسات الخارجية كعملة يتاجرون بها في النقاشات السياسية الداخلية. شاهد مثلاً شعار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يقول "أمريكا أولاً"، وشعار الرئيس السابق عليه جو بايدن الذي يقول: "سياسة خارجية من أجل الطبقة الوسطى". لماذا مثلاً قرر بايدن سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بذلك المعدل وتلك السرعة التي تم بها الانسحاب، على الرغم من مناقضة ذلك لنصائح خبراء السياسة الخارجية المخضرمين؟ السبب أن غالبية المواطنين الأمريكيين كانوا يريدون ذلك. ولعب الضغط الداخلي دوراً أيضاً في قرار دخول أفغانستان في المقام الأول عام 2001. في الذهن العام، لم يكن من الممكن أن يمر اعتداء إرهابي هائل مثل الذي حدث في 11 سبتمبر من دون رد، أياً ما كانت التداعيات العسكرية أو السياسية لهذا الرد. كذلك، فإن الصراع الأخير بين إسرائيل وحماس الذي بدأ عام 2023 كان له تأثير بدوره على أجندة السياسة القومية في كل مكان في العالم". ويستمر ستوب في توضيح مدى تأثير الضغوط الداخلية على القرارات الخارجية للدول. يقول: "أحياناً يكون للتحولات المفاجئة في السياسات الخارجية جذور في الديناميكيات الداخلية. انظر مثلاً إلى السياسة الخارجية المبكرة في الولاية الثانية لترامب. كان الضغط على أوكرانيا يستهدف إنهاء الحرب سريعاً لتحرير الولايات المتحدة من التزاماتها في هذا الصدد، مما يعني بالتالي تحقيق أحد وعود الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي. كانت مطالبة أوروبا بتحمل مزيد من تكلفة الدفاع عنها تتعلق (من الناحية الداخلية) بتقليل التكاليف على دافعي الضرائب الأمريكيين. وكان التوصل لاتفاق للحصول على المعادن النادرة من أوكرانيا يثبت أن الرئيس الأمريكي قادر على عقد اتفاقات لصالح اقتصاد بلاده. كل السياسات الخارجية تقودها أجندة داخلية، حتى وإن حدث ذلك بأسلوب غير تقليدي". ويتابع: "إن غياب الخط الفاصل بين ما هو خارجي وما هو داخلي لم يعد مجرد ظاهرة في العالم الغربي، بل إن هناك الكثير من الاتجاهات والعوامل التي دفعت بالاهتمامات الداخلية إلى ساحة السياسة الخارجية حول العالم. من المؤكد أن أحدها هو ذلك التغيير الجذري الذي حدث في المشهد الإعلامي. وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات والمؤثرين والأخبار التي تدور على مدى 24 ساعة طوال الأسبوع كلها تلعب دوراً ضخماً. لم يحدث من قبل في التاريخ الإنساني أن كان كل شخص على وجه الأرض تقريباً لديه تلك القدرة على الوصول لهذا الكم الهائل من المصادر التي لا حد لها. ولم يحدث من قبل أن كان من السهل إلى هذه الدرجة أن يتم التلاعب بالمعلومات ونشرها". ثم ينتقل ستوب للحديث عن تجربته الشخصية كرئيس أوروبي يتعامل ويعتمد على الميديا الحديثة كجزء من عمله قائلاً: "أنا كرئيس دولة أواجه هذا التحدي يومياً. من الناحية الإيجابية، فإن وسائل الميديا الحديثة تتيح لي التواصل مباشرة مع الناخبين حول الأحداث فور وقوعها، ومتابعة النقاش العام. إلا أن الناحية السلبية هائلة الحجم. كل شيء أقوله يتم التعامل معه، وتشريحه، والتلاعب به، وتضخيمه من خلال فقاعات الترشيح أو التصفية (تقنية تستخدمها خوارزميات وسائل الميديا الحديثة لكي تعرض لكل شخص المحتوى أو الآراء والمعلومات التي تعتقد أنه سيتفاعل معها فقط بشكل يعزله عن باقي المعلومات والآراء الأخرى)، وهي الفقاعات التي تدفع بالرأي العام إلى أقصى الحدود. ويواجه المواطنون المدنيون خلال وجودهم أونلاين عبر الإنترنت نفس الأزمات. يتم تضخيم "الحبة إلى قبة"، أو تتحول المسائل البسيطة إلى أمور ضخمة، وتتحول تلك الأمور الضخمة بدورها إلى ساحات معارك داخلية. يصبح من الصعب على المجتمعات إدارة الحوار، أو إيجاد أرضية مشتركة، أو التوصل لحلول دائمة، بما في ذلك في العلاقات الدولية". ويواصل: "هناك عامل آخر يصب مزيداً من الزيت على نار المعلومات المتداولة، هو تزايد عدم المساواة في الأجور. لقد دخل متوسط الأجور في الولايات المتحدة وأوروبا في حالة من الركود، بينما تضاعف عدد أثرياء القمة الذين يمثلون 1% من سكان العالم. عدم عدالة هذا الأمر يُعتبر نقطة لصالح أصحاب التيار الشعبوي. يكمن خطر هذا التيار الشعبوي في الحلول المفترضة التي يقدمها لمعالجة هذه المشكلة: القومية العدوانية، تقديم المهاجرين والأقليات ككبش فداء، إضعاف الحماية المدنية التي تستند عليها الديمقراطية. كلها حلول بسيطة لمشكلات معقدة. يبيع أصحاب التيار الشعبوي رسائل بسيطة للناس من دون ضوابط تفصل الحقيقة عن الخيال، مما يمنحهم ميزة واضحة: لو أنك ظللت تردد وتكرر أمراً ما، فسوف يبدأ الناس في تصديقه". ويضيف: "الواقع أن الضغوط التي تنجم عن عدم المساواة، عندما تدخل في دوامة وإعصار وسائل الميديا، تصنع حالة وحساً من التنافسية بين الأفراد والمجتمعات. هنا تدخل الحرب الهجينة مرة أخرى إلى المشهد. كلما تزايدت قدرة وفاعلية الطرف المهاجم على تعميق هذه الفوارق، تزايدت قوة هذا الهجوم. عندما تفرض عقوبات مثلاً، فإن هدفك يكون التأثير على قطاع معين من المجتمع الذي تستهدفه أكثر من غيره. لكن عندما تهاجم شبكة كهرباء أو طاقة يكون هدفك هو ترك تساؤلات مفتوحة حول هوية من أمر بهذا الهجوم بهدف زرع عدم الاستقرار. إن غياب اليقين يصنع حالة من الغموض داخل المجتمع حول من هو العدو". ويتابع: "الانقسامات الناجمة عن هذا الأمر تحمل هويات مختلفة باختلاف المجتمعات. الانقسام الذي نشهده في الغرب بين "الليبراليين في مواجهة المحافظين" نشهده في مجتمعات أخرى كانقسام بين "العلمانيين في مواجهة المتدينين" أو "الحضر في مواجهة الريف" أو الانقسامات العرقية وغيرها. كلها قادرة على توجيه الرأي العام، وتشكيل الطريقة التي تتعامل بها دولة ما مع حلفائها، وأعدائها، وجيرانها. وتكون النتيجة النهائية لذلك هي اشتعال حدة المنافسة، أو أخيراً، اندلاع النزاع والصراع". ويواصل ستوب: "حل هذا الأمر يحتاج إلى قيادة. كل الدول تحتاج إلى قادة مسئولين يقيمون أسس التعاون ويمتنعون عن استغلال الصراع الأجنبي لتحقيق مكاسب سياسية على المستوى الداخلي. يحتاج العالم أيضاً إلى كيانات متعددة الأطراف، قوية بما يكفي لتخفيف حدة التوترات بين الدول وإيجاد حلول مشتركة، لأن ما نفقده في لعبة إلقاء اللوم (على الآخرين) هو إدراك أننا نواجه جميعاً نفس المشكلات". ويضيف: "إن النزاع أو الصراع مشكلة جماعية. تكمن جذورها في التحديات الدولية المشتركة التي تواجهنا، ويمكن أن يتوسع مداه بسهولة من الإقليمية إلى العالمية. إلا أن "عدم النظام" العالمي الحالي يتعامل مع الصراع بشكل متقطع وجزئي. مسائل مثل الأمن والتجارة والمناخ والطاقة وغيرها من القضايا الدولية الحساسة أصبح يدخل فيها أكثر من طرف بشكل ثنائي أو تبادلي، بينما تظل الحلول محلية ونادراً ما تدوم. نحن بحاجة إلى معايير نظامية جديدة لمواجهة الصراع، ولا بد أن تأخذ هذه المعايير في الاعتبار بشكل متساوٍ احتياجات ووجهات نظر كل من الجنوب والشرق والغرب العالمي". ويواصل كتاب ستوب: "عام 2024 جلست إلى جوار رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا في غداء دولي يركز على منع النزاعات. ألقى أول ثلاثة متحدثين كلماتهم دون أن يشير أحدهم إلى النزاع في السودان. شعرت بدهشة والتفتُّ إلى الرئيس رامافوزا وقلت له: كيف يكون ممكناً أننا نتحدث فقط عن النزاع في أوكرانيا وإسرائيل؟. وهزَّ الرئيس رامافوزا رأسه معبراً عن أنه لم يتفاجأ بهذا". ويتابع: " يمكن لنا النظر إلى التحدي الذي يواجهنا من خلال ثلاثة صراعات دائرة حالياً: حرب روسيا ضد أوكرانيا، التي ينتظر فيها الغرب، لكنه لم يتلقَّ فيها، دعماً عالمياً، والشرق الأوسط، حيث أثبتت أقوال الغرب وأفعاله أنها متناقضة، والسودان، الذي يتجاهله الغرب بشكل واضح. في كل من أوكرانيا وغزة، نرى صراعاً قديماً يتجدد على مستويات محلية وإقليمية ودولية جديدة. نرى فيها حروب التكنولوجيا المتقدمة تصاحبها عمليات تخريب وعقوبات وحملات مضللة في وسائل التواصل الاجتماعي. نرى فيها الضغوط الداخلية تحرك قرارات السياسة الخارجية. كل هذه التفاعلات تُبرز الحاجة لإجراءات نظامية لتحقيق السلام والحفاظ عليه". ويضيف: "أحدثت حرب أوكرانيا بالفعل تحولات نظامية، ودفعت دولاً جديدة للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي الناتو، وألهمت الناتو نفسه لكي يعود إلى جذوره باعتباره حامياً للسلام الأوروبي. وبينما تميل تلك الحرب نحو الختام، راقب المشهد جيداً للإجابة عن التساؤلات الأساسية: مَن الذي سوف يتوسط من أجل إنهاء النزاع؟ مَن من اللاعبين سوف يراقب وقف إطلاق النار؟ أي القضايا ستظل عالقة بلا حل؟ ما هي التشكيلات التي ستظهر من أجل منع العودة إلى الحرب؟ إن الإجابات في مسألة أوكرانيا سوف تشكل أساس نظام الأمن الأوروبي الجديد في نهاية الأمر". ويواصل: "كل من أوكرانيا وغزة أيضاً أبرزت أن الخطوط التي تفصل بين الغرب والشرق والجنوب العالميين ليست خطوطاً واضحة، وأن الغرب عليه أن يعمل من أجل استعادة ثقة الجنوب (الذي يضم معظم الاقتصادات الصاعدة في الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وآسيا). وفيما وراء خطوط المعركة، فإن كلاً من الحربين هي أيضاً نموذج لحروب السرديات (أي رواية كل طرف عما يحدث فعلاً) ونشر مفاهيم بديلة لتحديد معنى الحرب والتعامل معها. فمثلاً: هل النزاع في غزة يُعتبر حرباً ضد الإرهاب؟ أم حرباً بين إسرائيل وحماس؟ أم بين إسرائيل وفلسطين؟ أم بين العرب وإسرائيل؟ أم بين إسرائيل وإيران؟. الإجابة تعتمد على الإطار الذي تنظر من خلاله للحرب". ويضيف: "في السودان، اندلعت حرب بين الفصائل المسلحة المتصارعة في أبريل عام 2023، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف من الناس وتشريد ما يقرب من 8 ملايين شخص حتى بدايات عام 2025. وتسبب العنف المتواصل في إحداث أسوأ أزمة نزوح على مستوى العالم، وأكبر أزمة مجاعة. وعلى الرغم من ذلك، نادراً ما يوجد السودان في عناوين الأخبار في الكثير من دول العالم الغربي. حتى هذه اللحظة، كان الغرب يريد أن تكون حروبه هي محور اهتمام العالم، لكننا نحن كغرب لم نُظهر اهتماماً كبيراً بالحروب التي تدور في أماكن أخرى من العالم. هنا يكمن أحد التحديات التي لا بد من تجاوزها". ويصل كتاب ستوب إلى خلاصة تقول: "كما أن التحديات العالمية مثل التغير المناخي والهجرة والأوبئة لا يمكن مواجهتها إلا من خلال التعاون، فإن الأمر نفسه ينطبق على النزاعات. إن أسس النظام العالمي الجديد أصبحت بالفعل تحت الإنشاء، والواقع أن النزاعات في أوكرانيا وغزة والسودان يمكن أن تقدم مؤشرات على الصورة التي سيكون عليها ذلك النظام. الحلول التي سوف نضعها لتلك الصراعات سوف تؤسِّس بدورها لمعايير جديدة في النظام العالمي. دعونا نحرص على أن هذه الحلول تجعل الدول الأخرى تنخرط كشركاء حقيقيين، وتبني مؤسسات تدوم لما وراء هذه اللحظة، وتقودنا للوصول إلى ترياق التشتت، وهو التعاون".