تحليل: لماذا يستهدف الاحتلال الضاحية الجنوبية لبيروت الآن؟
تحليل: لماذا يستهدف الاحتلال الضاحية الجنوبية لبيروت؟

أصدر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة على غزة، أوامره إلى جيش الاحتلال بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت. وجاء هذا القرار في بيان مشترك مع وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، حيث قالا: "في أعقاب الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار من قبل حزب الله، أصدرنا تعليماتنا إلى الجيش الإسرائيلي بمهاجمة أهداف تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية".

ونقلت "القناة 14" الإسرائيلية عن مصادر مطلعة أن الأوامر صدرت بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فيما أشارت تقارير إلى أن إسرائيل هاجمت الضاحية الجنوبية مرتين منذ مطلع أبريل الماضي. ويأتي هذا التصعيد وسط مساع أمريكية مفترضة لهدنة جديدة في لبنان، بشرط أن يبدأ حزب الله بوقف إطلاق النار والمسيرات والصواريخ نحو المستوطنات في الجليل والقوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني. وجاء التصعيد بعد أن أمر كاتس ونتنياهو، أمس الأحد، بتوسيع التوغلات البرية في جنوب لبنان، إثر استيلاء جيش الاحتلال على قلعة الشقيف الاستراتيجية التي تطل على مناطق واسعة، بما في ذلك نهر الليطاني.

ما أهمية الضاحية الجنوبية سياسياً؟

تحتل الضاحية الجنوبية لبيروت مكانة بارزة باعتبارها المعقل الرئيسي والرمز السياسي والإداري لحزب الله، وتعد القاعدة الشعبية والسياسية للحزب. وتتركز فيها المقرات الرئيسية والمؤسسات السياسية والقيادية والاجتماعية والإعلامية التابعة له. ومثل تواجد حزب الله في الضاحية ما يمكن وصفه بـ"المحطة الفاصلة"، حيث تصدى تنظيم المقاومة الإسلامية لتقدم الجيش الإسرائيلي في محلة الأوزاعي الليلكي في صيف عام 1982. وبعد استقرار الحزب في الضاحية، بدأت تتبلور فصول العلاقة الإستراتيجية بينه وبين الضاحية، التي أصبحت معقلاً أمنياً وسياسياً وثقافياً له، وتضم مساكن عدد من علماء الشيعة وقادة الحزب، مما جعلها هدفاً مباشراً للاعتداءات الإسرائيلية، لا سيما خلال حرب يوليو 2006، حيث لحق دمار هائل في مبانيها وبنيتها التحتية، وطُبقت فيها سياسة الأرض المحروقة. لكن الحزب تمكن من إعادة إعمار الضاحية من خلال مؤسسة "وعد" ومساعدات خارجية، لتعود إلى سابق نشاطها وحيويتها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

ماذا يعني القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية؟

يعني القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية استهدافاً مباشراً للمربع الأمني والمعقل الرئيسي لتواجد حزب الله، ويحمل أبعاداً عسكرية وسياسية وإنسانية بالغة الخطورة على الساحة اللبنانية. فعلى الصعيد الاستراتيجي والعسكري، يمثل التصعيد خطيراً يهدف إلى تدمير البنية التحتية والمستودعات العسكرية التابعة للحزب، وكسر قواعد الاشتباك، ومحاولة فرض ضغوط قوية لإلزام الحزب بشروط معينة. وعلى الأرض، يهدد القصف بإلحاق دمار واسع في المناطق السكنية المكتظة وإصابة المدنيين، مما ينتج عنه موجات نزوح جماعية ضخمة نحو مناطق أكثر أمناً داخل لبنان. ويتراوح عدد سكان الضاحية بين 600 ألف ومليون نسمة، بحسب تقديرات غير رسمية، وغالبيتهم من الطائفة الشيعية، مع وجود تجمعات للاجئين الفلسطينيين (مثل مخيم برج البراجنة) وأقليات أخرى.

ماذا عن الصعيد الداخلي للبنان؟

على المستوى الداخلي اللبناني، يضع القصف الدولة اللبنانية أمام تحد متزايد يتعلق بقدرتها على حماية سيادتها ومنع تحول الأراضي اللبنانية إلى ساحة مواجهة مفتوحة. كما أن استهداف منطقة مكتظة بالسكان يرفع من احتمالات النزوح الداخلي وتفاقم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها لبنان أصلاً منذ سنوات. ويعتبر هذا التصعيد خرقاً للسيادة اللبنانية ولقرارات مجلس الأمن، ويكتسب بعداً سياسياً يتجاوز الجغرافيا، حيث تحولت الضاحية الجنوبية إلى هدف مباشر ضمن المعادلة العسكرية التي يتبناها جيش الاحتلال في لبنان، ضمن مخططات إسرائيلية واضحة تستهدف إفراغ القرى الحدودية في الجنوب، والضغط على مناطق الاستيعاب، وفي مقدمتها الضاحية. وتهدف سلطات الاحتلال إلى تحويل النزوح من نتيجة للحرب إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السكاني، حيث يدفع المدنيون إلى مغادرة مناطقهم، ثم يعاد تعريضهم للضغط في مناطق لجوئهم. كما تسعى إلى نقل الردع من "الحدود" إلى "العمق الداخلي"، وإظهار أن قواعد الاشتباك لم تعد محصورة بالجبهة الجنوبية فقط، خاصة أن المسافة بين الضاحية الجنوبية وبيروت تقدر بحوالي 10 كيلومترات فقط.

هل يريد نتنياهو تبييض وجهه داخلياً؟

يأتي التصعيد الإسرائيلي على لبنان بالتزامن مع أزمات داخلية يواجهها نتنياهو، وفي القلب منها بدء العد التنازلي للانتخابات التشريعية الإسرائيلية، بعد موافقة الكنيست على تبكير موعدها المحدد سلفاً بأكتوبر القادم. يحاول نتنياهو تبييض وجهه في مواجهة الانتقادات التي يوجهها له خصومه بالفشل في التصدي لطوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وفشله في تحقيق أي من الأهداف الإسرائيلية في الحرب الحالية. وكشف جيش الاحتلال، اليوم الإثنين، عن مقتل 26 ضابطاً وجندياً وإصابة 1180 آخرين منذ تجدد العدوان على جنوب لبنان مطلع مارس 2026، مشيراً إلى أن 69 منهم إصاباتهم خطيرة، و134 إصاباتهم متوسطة، وأن 14 قتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار، 10 منهم بمسيرات انقضاضية أطلقها حزب الله.

هل يخوض نتنياهو آخر مراوغاته الدموية؟

يواجه نتنياهو أيضاً محاكمات بالفساد، دفعت مستشاره الإعلامي السابق أفيف بوشينسكي للقول بأن تلك المحاكمات قد تشكل نقطة النهاية لمسيرته السياسية الممتدة منذ ثلاثة عقود. وأكد تقرير سابق نشرته جريدة "هآرتس" الإسرائيلية أن نتنياهو بات يعاني ضعفاً واضحاً فيما يتعلق بمستقبله السياسي، مضيفة أن الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج يراقب هذا الضعف بقوة، في ظل الملاحقات الدولية التي تطارد نتنياهو بتهم تتعلق بالحرب في غزة، مما قد يدفعه -وفق بعض التحليلات- إلى التفكير في تسوية قضائية لملفات الفساد التي يحاكم بسببها، والانسحاب تدريجياً من الحياة السياسية. وبينما تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والإنسانية في هذا التصعيد، يبقى مستقبل المواجهة مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء محدود للتوتر أو مواصلة نتنياهو اللعب بالنار بحثاً عن مجد شخصي لتبييض سمعته، حتى لو كان هذا البياض مصبوغاً بلون الدم.