استعرضت وزارة الأوقاف المصرية في مقال لها أسماء المدينة المنورة وأشهرها، والبركات والفضائل التي اختصت بها هذه البقعة المباركة دون غيرها. المدينة المنورة هي قلب الإسلام النابض ومأرز الإيمان، وقد شرفها الله بأسماء عديدة وفضائل جليلة جعلتها محط أنظار المسلمين وملاذ قلوبهم.
أسماء المدينة المنورة في القرآن والسنة
من أشهر أسماء المدينة المنورة التي وردت في الشرع:
1- المدينة
وهو أشهر أسمائها، أُطلق عليها بعد الهجرة، وقد خلد القرآن الكريم هذا الاسم في مواضع شريفة، ليربط بين الأرض وبين الساكنين فيها في أرفع صور الوفاء، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 120].
2- طَيْبَة وطَابَة
لقد أبى سيد الخلق الطيب المطيب - صلى الله عليه وسلم - بقاء اسم يثرب لما فيه من ظلال الثَّرْب (وهو الفساد أو اللوم)، فخلع عليها اسمي (طيبة وطابة)؛ وهما لغتان تشتبكان في أصل الطيب، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ» [مسلم].
3- الدَّار والإِيمَان
لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: 9]، قال الإمام الطبري: "اتخذوا المدينة مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فابتنوها منازل"، وقال الرازي: "سميت بالإيمان؛ لأن فيها ظهر الإيمان وقوي". لقد سماها الحق سبحانه في كتابه الدار والإيمان، ليوثق الرباط الأبدي بين المكان وبين حقيقة العقيدة، فصارت المدينة هي الدار التي تأوي إليها القلوب المؤمنة كلما اغتربت في دروب الحياة.
4- الدِّرْع الحَصِينَة
عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةُ» [النسائي]. وفي هذا الوصف سر بديع؛ فالدرع في لغة العرب هي ما يُلبس ليقي الجسد من غوائل الأعداء، والمدينة بصيغتها النبوية هي الدرع التي صانت بيضة الإسلام في مهدها، وهي الحصن الذي تنكسر على أعتابه كل إرادة سوء تتربص بالحق، إنها الحصينة بتوفيق الله وحراسة ملائكته، وبأنفاس صاحب الروضة - صلى الله عليه وسلم - التي جعلت من ترابها سورًا معنويًا يمنح السكينة لكل من آوى إليها، فمن دخلها فقد استمسك بالعروة الوثقى ودخل في كنف الأمان النبوي.
وللمدينة أسماء غير ما ذكر، حتى بلغ بها بعض العلماء إلى أربعين اسمًا، وفي هذا التعدد سر باهر؛ فكل اسم هو نافذة تطل منها على كمال من كمالاتها. لقد سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشرة أسماء، جمعت بين النور والجلال، فكانت (المدينة، وطابة، وطيبة، والمطيبة، والمنيرة)؛ دلالة على سريان الضياء النبوي في ذراتها. ومن عجيب أسمائها: (الجابرة، والمجبورة)؛ لأنها تجبر كسر القلوب وتشد أزر الضعفاء، و(المحببة، والمحبوبة) لتعلق القلوب الوالهة بساكنها - صلى الله عليه وسلم -. إن هذا التعدد في الأسماء هو تعدد في المشاهد؛ فمن دخلها تائبًا رآها المطيبة، ومن دخلها منكسرًا رآها الجابرة، ومن دخلها محبًا رآها المحبوبة، وهي في كل أحوالها منيرة بنور صاحبها - صلى الله عليه وسلم -.
فضائل المدينة المنورة
المدينة ليست كبقية البقاع، بل هي حرم آمن ومستقر للبركة النبوية، ومن فضائلها:
1- مضاعفة الأجر
لقد خص الحق - سبحانه - المسجد النبوي بمكانة علية، فجعله أحد الأركان الثلاثة التي تتوجه إليها قلوب السالكين وتشد إليها الرحال طلبًا للفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثَلاثةِ مَساجِدَ: مَسجِدِ الحَرامِ، ومَسجِدي، ومَسجِدِ الأقصى» [البخاري]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَام» [البخاري].
2- شدة المحبة
إذا كانت النفوس تشرئب لسكنى المدينة طمعًا في مضاعفة الأجور بين أساطين مسجدها، فإن هذا التعلق المادي بالثواب يسبقه تعلق وجداني بالذات؛ فالمحب لا يطلب الأجر فقط، بل يطلب القرب، وهذا ما تجلى في حال النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يرى في المدينة سكنًا لروحه قبل أن تكون محرابًا لعبادته، فيصف أنس – رضي الله عنه - حال النبي - صلى الله عليه وسلم - "إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أوضع راحلته (أي أسرع بها)، وإن كان على دابة حركها من حبها" [البخاري].
3- حرمة المكان
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أسرع بركابه شوقًا إلى جدرات المدينة، فإن هذا الشوق لم يكن مجرد عاطفة عابرة، بل كان إيذانًا بجعل هذه البقعة حرمًا آمنًا وحمى مقدسًا، تذوب فيه إرادات القتال، وتحقن فيه الدماء، وتُحترم فيه حتى الشجرة والخضرة، لتبقى المدينة نموذجًا للسلام العالمي الذي يرعاه الوحي، فرسم - صلى الله عليه وسلم - حدود الحرم هي ما بين الحرتين شرقًا وغربًا، وما بين عير إلى ثور يمنًا وشامًا، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ». وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المدينةُ حرامٌ من كذا إلى كذا ، لا يُقطَعُ شجرُها ، ولا يُحدَثُ فيها حدثٌ ، من أحدث فيها حدثًا ، أو آوى محدِثًا ، فعليه لعنةُ اللهِ ، والملائكةِ ، والناسِ أجمعين ، لا يَقبل اللهُ منه يومَ القيامةِ صرفًا ، ولا عدلًا» [البخاري].
4- دعوات البركة والحماية
لقد خص النبي - صلى الله عليه وسلم - مدينته بدعوات جرت مجرى النور في أرزاقها، فدعا بالبركة في الصاع والمُدّ وهما مكيالا أهل المدينة، كان - صلى الله عليه وسلم - يرسخ مفهوم البركة النوعية التي تجعل القوت البسيط كافيًا وافيًا، بل وعقب - صلى الله عليه وسلم - بطلب الزيادة قائلًا: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ» [مسلم].
5- الحماية من الدجال والطاعون
بفضل حراسة الملائكة لنقاب المدينة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ» [البخاري]. إن منع الدجال والطاعون من دخول المدينة هو رمز لانتصار النور المحمدي على الظلمة الشيطانية؛ فالمكان الذي تنفس فيه الوحي لا يقبل نقيضه، وحراسة الملائكة هي رسالة لكل مؤمن بأن المدينة هي بوصلة الثبات عند اضطراب الأمور.
6- الروضة الشريفة
هي بقعة من الجنة على الأرض، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» [البخاري]. في هذا النص تجليات إيمانية مذهلة؛ فالروضة ليست شبيهًا بالجنة فقط، بل هي عند المحققين بقعة حقيقية من الجنة ستنتقل يوم القيامة إلى مكانها الأصيل، أو هي بقعة تنزل فيها الرحمات والسعادة كما تنزل في الجنة.
7- مسجد قباء
الصلاة فيه تعدل عمرة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاةُ في مسْجدِ قِباءٍ كعُمرةٍ». إن فضل قباء يُعلمنا أن الله يضع بركته في الأماكن التي أخلص فيها العباد نياتهم في البدايات؛ فكل بقعة شهدت صدق التوجه إلى الله، صارت مصدرًا للنور ومنبعًا للأجور المضاعفة.
8- فضل الجبال والأودية
في المدينة المنورة، لم تقتصر البركة على المساجد وحدها، بل سرت في صخورها وجبالها، حتى صار الحجر والشجر رفيقًا محبًا، كجبل أحد الذي قال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «وهذا أُحُدٌ، وهو جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه» [البخاري]، ووادي العقيق الذي وصفه بالوادي المبارك فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عُمْرَةً في حَجَّةٍ» [البخاري].
9- عجوة المدينة
اختار - صلى الله عليه وسلم - عجوة المدينة لتكون مددًا للأبدان وحصنًا للأرواح، وترياقًا يقطع دابر السوء ببركة تربتها الزكية، فقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرُّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» [البخاري].
10- الصبر على شدتها
وعد النبي - صلى الله عليه وسلم - الصابرين على لأوائها بالشفاعة، فقال: «لا يَصبِرُ على لَأواءِ المَدينةِ وشِدَّتِها أحَدٌ مِن أُمَّتي إلَّا كُنتُ له شَفيعًا يَومَ القيامةِ أو شَهيدًا» [مسلم].
11- إهلاك من أرادها بسوء
من جلال قدرها أن الله يتولى الدفاع عنها بنفسه؛ فكل من أضمر لها سوءًا أو أراد كيدًا بأهلها، فإن القوة الإلهية تذيبه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن أرادَ أهلَ هذه البَلدةِ بسوءٍ -يَعني المَدينةَ- أذابَه اللهُ كما يَذوبُ المِلحُ في الماءِ» [مسلم].
12- نفي الخبث
قال - صلى الله عليه وسلم -: «المدينة كالكِير تَنْفِي شِرَارَهَا، وَيَنْصَعُ طِيبُهَا» [البخاري].
13- مأرز الإيمان
وفي نهاية المطاف، تظل المدينة هي الملاذ الأخير، فكما تأرز الحية إلى جحرها طلبًا للأمان، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» [البخاري].



