في تحليل عميق، يروي الكاتب إبراهيم النجار مسيرة الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، الذي رحل تاركاً إرثاً سياسياً ثقيلاً في أحلك مراحل اليمن. شغل هادي منصب نائب الرئيس لأكثر من عقدين، وقاد البلاد في أحلك مراحلها الانتقالية تعقيداً. ارتبط اسمه بأكثر فصول اليمن تقلباً واضطراباً، بعد مسيرة عسكرية وسياسية امتدت لعقود.
بداية المسيرة العسكرية
تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقاً)، وشغل مواقع قيادية عدة، منها قيادة وحدات مدرعة ورئاسة دائرة الإمداد والتموين. شكلت أحداث يناير 1986 نقطة تحول مفصلية في مسيرته، إذ كان ضمن الجناح الموالي للرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد. بعد هزيمة ذلك الجناح في ما سمي "حرب الرفاق"، انتقل مع آلاف الضباط والجنود إلى شمال اليمن، حيث أعاد تنظيم القوات القادمة من الجنوب ضمن ما عرف بألوية الوحدة اليمنية.
دور محوري في حرب 1994
برز اسم هادي بصورة أكبر خلال حرب 1994 التي اندلعت عقب إعلان الانفصال، من خلال قيادات جنوبية، حيث قاد بشجاعة معركة الدفاع عن الوحدة. وفي أكتوبر 1994، عينه الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح نائباً لرئيس الجمهورية خلفاً لعلي سالم البيض.
نائب الرئيس لعقدين
طوال 20 عاماً في منصب نائب الرئيس، حافظ هادي على حضور سياسي هادئ، قبل أن يبرز اسمه بقوة مع انطلاق احتجاجات 2011 ضد نظام صالح، التي انتهت بتنحي صالح وتسليم السلطة لهادي. غير أن العلاقة بين هادي وصالح دخلت لاحقاً مرحلة توتر سياسي غير معلن، مع احتفاظ صالح بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة والجيش.
مؤتمر الحوار الوطني والدولة الاتحادية
في مارس 2013، أطلق مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي خلص إلى وثيقة سياسية تبنت مشروع الدولة الاتحادية كصيغة واقعية لمعالجة الاختلالات السياسية وبناء دولة جديدة. وبالتوازي مع العملية السياسية، كانت جماعة الحوثي تتوسع عسكرياً في صعدة حتى سيطرت على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، مما دفع هادي لتقديم استقالته لمجلس النواب.
التحول إلى عدن والحرب
في فبراير 2015، تمكن هادي من مغادرة صنعاء إلى عدن وأعلن تراجعه عن الاستقالة، مؤكداً أن كل الإجراءات الناتجة عن سيطرة الحوثيين باطلة وغير شرعية. قاد هادي السلطة المعترف بها دولياً طوال سنوات الحرب، وتمكنت القوات الحكومية بدعم من التحالف العربي من استعادة مساحات واسعة من البلاد خلال السنوات الأولى للحرب. شهدت تلك الفترة محاولة لإعادة تفعيل مؤسسات الدولة من العاصمة المؤقتة عدن، لكن مسار استعادة الدولة واجه تحديات معقدة أبرزها تصاعد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي.
الإرث السياسي والرحيل
ورغم هذا، ظل هادي متمسكاً بمخرجات الحوار الوطني ومشروع الدولة الاتحادية باعتبارهما الضمانة السياسية للحفاظ على وحدة الوطن ومعالجة القضية الجنوبية. وفي إبريل 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته وصلاحيات نائبه علي محسن الأحمر إلى مجلس قيادة برئاسة رشاد العليمي، في خطوة هدفت لتوحيد القوى المناهضة للحوثيين وتجاوز الصراع الداخلي وتشظي البلاد. وفي 28 مايو 2026، أعلنت الرئاسة اليمنية وفاته. برحيل هادي، يغيب آخر رئيس يمني وصل إلى السلطة عبر عملية انتقال سياسي توافقي حظيت باعتراف داخلي ودولي واسع، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً ثقيلاً سيبقى محل جدل كبير.



