سيمفونية التكرار عند ترامب.. كيف سيطر منع إيران من السلاح النووي على نصف خطاباته؟
سيمفونية التكرار عند ترامب.. منع إيران من النووي يهيمن على خطابه

في الأسابيع الأخيرة، ومع تصاعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، برز في خطابات ولقاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نمط لافت يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، حيث كرر التأكيد على عدم السماح لطهران بامتلاك السلاح النووي عشرات المرات وبصيغ مختلفة، في امتداد واضح لنهج تصاعد منذ بداية ولايته الثانية في فبراير 2025.

وتتراوح نبرة ترامب في هذه التصريحات بين الحزم القاطع والاستحالة المطلقة، إذ لم يكتف بالتعهد بمنع الوصول للسلاح، بل شدد في خطاباته، لاسيما خطاب الأول من أبريل الشهير، على أن امتلاك إيران للنووي يمثل «تهديدًا لا يطاق» ولن يسمح بتحققه تحت أي ظرف. ويظهر التحليل أن هذا النمط الخطابي تجاوز مجرد الوعود السياسية ليصبح بمثابة عقيدة لولايته الثانية، حيث يمزج فيها بين التذكير بإجراءات ولايته الأولى والتباهي بنتائج الضربات الحالية التي وصفها بالإبادة الكاملة للمرافق النووية، مؤكدًا في كل مناسبة أن إيران لا يمكن الوثوق بها مطلقًا، في رسالة واضحة قد يُفهم على أنه طمأنة للحلفاء وفرض معادلة ردع نفسية توازي في تأثيرها العمليات العسكرية الميدانية.

87 مرة منذ بدء الحرب على إيران

تتبعت «الوطن» خطابات ولقاءات الرئيس الأمريكي منذ اندلاع الحرب على إيران، وكشف الرصد عن نمط تكراري لافت في تصريحات دونالد ترامب، حيث يكرر هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل مكثف. يذكر أن عملية الحصر تمت بشكل يدوي اعتمادًا على مراجعة النصوص والمنشورات وتحديد مواضع التكرار وفق السياق اللغوي، وبيان سابق للبيت الأبيض أشار فيه إلى عدد مرات حديث ترامب عن منع إيران من السلاح النووي.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

بحسب التحليل، تحدث ترامب في لقاءاته وخطاباته وظهوره العلني عن منع إيران من امتلاك السلاح النووي 74 مرة منذ ولايته الأولى وحتى 28 فبراير الماضي - وهو موعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران - ثم كرر التصريح نفسه 87 مرة منذ الحرب وحتى موعد نشر التقرير. كما يكرر الطرح ذاته عبر منصة تروث سوشيال بنحو 80 مرة منذ بدء ولايته الثانية، مع الإشارة إلى أن حديثه عن البرنامج النووي الإيراني ازداد بشكل ملحوظ عبر منصته ولقاءاته التلفزيونية وخطاباته خلال الأشهر الأخيرة.

نصف تصريحات ترامب منذ بدء الحرب تتحدث عن «منع إيران من النووي»

وظهر ترامب بشكل عام منذ بدء الحرب نحو 177 مرة، تحدث خلالها عن سعيه لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي في 87 مناسبة، ما يمثل نحو 49% من إجمالي تصريحاته خلال هذه الفترة. أي أن ترامب تحدث عن منع إيران من امتلاك السلاح النووي بنحو 241 مرة منذ ولايته الأولى، وحتى موعد نشر التقرير.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تتنوع تصريحات دونالد ترامب بين نبرة حاسمة وأخرى جازمة، إذ يؤكد في بعضها ضرورة منع إيران من امتلاك السلاح النووي، بينما يشدد في تصريحات أخرى على استحالة حصولها عليه، وصولًا إلى صياغات متكررة يتحدث فيها عن البرنامج النووي الإيراني باعتباره أمرًا لن يسمح بتحققه تحت أي ظرف.

وكانت أكثر مرة تحدث فيها ترامب عن سعيه لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، خلال خطابه عن الحرب في الأول من شهر أبريل الماضي، وقال خلاله: «تعهدت بأنني لن أسمح لإيران أبدًا بامتلاك سلاح نووي، وإن امتلاك هؤلاء أسلحة نووية سيشكل تهديدًا لا يُطاق». ثم أعاد الحديث عن الإجراءات التي اتخذها خلال ولايته الأولى قائلًا: «قد اتخذت العديد من الإجراءات خلال فترتي ولايتي لوقف سعي إيران لامتلاك أسلحة نووي»، ثم أعاد الحديث حول مسار الدبلوماسية في وقت تستمر فيه إيران نحو امتلاك الأسلحة النووية: «كان لديهم أسلحة لم يصدق أحد امتلاكها، وقد علمنا بذلك مؤخرًا، دمرناها، دمرناها بالكامل حتى لا يجرؤ أحد على إيقافهم وعرقلة سعيهم نحو امتلاك قنبلة نووية، سلاح نووي، سلاح نووي لم يسبق له مثيل». ثم تحدث أيضًا مرة أخرى عن عدم السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي قائلًا: «الجميع يقول إن إيران لا يمكن أن تمتلك أسلحة نووية.. لا يمكن الوثوق بإيران مطلقًا في امتلاك الأسلحة النووية، سيستخدمونها، وسيستخدمونها بسرعة».

ثلاثة مسارات لغوية في تصريحات ترامب

وتتخذ تصريحات ترامب ثلاثة مسارات لغوية رئيسية تعزز بعضها البعض، مسار التعهد والالتزام، مثل عبارة تعهدت ولن أسمح أبدًا، وهي صيغ موجهة للداخل الأمريكي لإظهار القوة والالتزام. ومسار الحتمية والاستحالة، مثل «لن تحصل إيران أبدًا على» و «لا يمكن الوثوق به»، وهنا ينتقل من المنع الإرادي إلى الاستحالة الواقعية، مصورًا امتلاك إيران للسلاح كأمر خارج حدود الممكن تحت إدارته. وأخيرًا، المسار الوجودي، حيث وصف السلاح النووي الإيراني بأنه تهديد لا يطاق، مما يمنح أي تحرك عسكري شرعية أخلاقية وأمنية مطلقة.

التكرار عند «ترامب».. أداة لغوية ذات وظائف محددة

في تحليل الخطاب السياسي، لا يُنظر إلى التكرار باعتباره مجرد إعادة صياغة لموقف قائم، بل كأداة لإعادة تنظيم الإدراك العام للقضايا المعقدة، فعندما تتكرر عبارة بعينها عبر منصات متعددة وفي سياقات زمنية متقاربة، فإنها لا تعمل فقط على تثبيت الموقف السياسي، بل تسهم أيضًا في بناء إطار تفسيري مستقر يعاد من خلاله تعريف القضية نفسها. لكن هذا النوع من التحليل يظل محل نقاش داخل الأوساط الأكاديمية، فبينما يرى بعض منظري الخطاب السياسي أن التكرار قد يكون مؤشرًا على استراتيجية واعية لتثبيت السردية السياسية، يحذر آخرون من المبالغة في تفسير الظاهرة بمعزل عن سياقها الأوسع. ويشير هذا الاتجاه إلى أن موضوع إيران النووي، على سبيل المثال، حاضر منذ عقود في الخطاب الأمريكي، وبالتالي فإن التكرار قد لا يتجاوز في بعض الحالات كونه امتدادًا لملف سياسي طويل الأمد أكثر من كونه استراتيجية جديدة بالكامل.

وفي هذا السياق، جاءت دراسة للباحث «حسن عليصوي» عام 2025، ونشرت في «دار النشر الأكاديمية الأوروبية العالمية للبحوث»، تتناول خطاب دونالد ترامب، حيث تنظر إلى التكرار بوصفه أداة لغوية ذات وظائف محددة، وليس مجرد أسلوب تعبيري، وتنتهي الدراسة إلى أن التكرار يعمل على ثلاثة مستويات رئيسية متداخلة، لغوي، وإقناعي، وأيديولوجي.

تشير الدراسة أولًا إلى أن تكرار الكلمات أو العبارات في بدايات الجمل أو نهاياتها، أو إعادة استخدام مفردات بعينها، يساعد على ربط أجزاء الخطاب ببعضها البعض، هذا النوع من التكرار يجعل الخطاب أكثر ترابطًا وسهولة في المتابعة، حتى عندما تكون الجمل قصيرة وبسيطة، وبمعنى آخر، لا يضيف التكرار معلومات جديدة بقدر ما ينظم تدفق الكلام ويمنحه إيقاعًا واضحًا.

التكرار.. أداة للإقناع

وتنتقل الدراسة إلى المستوى الثاني، وهو الإقناع، حيث ترى أن التكرار يعزز تأثير الرسالة على الجمهور، فكلما تكررت العبارة، زادت قابليتها للثبات في الذاكرة، وأصبح من السهل استدعاؤها لاحقًا، كما يمنح التكرار الخطاب طابعًا إيقاعيًا يساعد على جذب الانتباه ويزيد من أثره العاطفي. ومع مرور الوقت، تتحول بعض العبارات المتكررة إلى شعارات سياسية قصيرة يسهل تداولها وتبنيها.

أما المستوى الثالث، فتوضح الدراسة أن التكرار لا يقتصر على تحسين الشكل أو تعزيز التأثير، بل يسهم في تشكيل طريقة فهم الجمهور للقضايا السياسية، فإعادة تكرار ثنائيات مثل «نحن مقابل هم»، أو الإصرار على توصيفات محددة بشكل متكرر مثل منع إيران من امتلاك السلاح النووي، يؤدي إلى تثبيت إطار معين لفهم الواقع السياسي. هذا الإطار يجعل الجمهور ينظر إلى القضايا من زاوية واحدة تتكرر باستمرار في الخطاب، ما يعزز استقرارها في الوعي العام. وتخلص الدراسة إلى أن التكرار في خطاب ترامب ليس عنصرًا عابرًا، بل أداة مركبة تؤدي وظائف متعددة في الوقت نفسه، تنظيم الخطاب، تعزيز الإقناع، وتثبيت الإطار الأيديولوجي الذي يُفهم من خلاله الخطاب السياسي.

ونشرت جامعة كولومبيا تحليلًا يشير إلى أن لغة التكرار تعد إحدى الطرق الرئيسية التي يستخدمها ترامب لإقناع جمهوره، باعتبارها أسلوبًا شائعًا في الخطاب السياسي والإعلامي وحتى الإعلاني. وتشير دراسات نفسية متعددة إلى أن تكرار الكلمات والعبارات البسيطة يمكن أن يعزز تقبّل الجمهور لها، حتى في حال ضعف صحتها أو غياب الأدلة الكافية، ويرتبط ذلك بما يعرف بالميل الإدراكي إلى اعتبار التكرار مؤشرًا على القبول الاجتماعي، حيث يميل الأفراد إلى افتراض أن الفكرة المتكررة تحظى بانتشار واسع، ما يدفعهم تدريجيًا إلى تبنيها. كما توضح هذه الدراسات أن سهولة استدعاء المعلومة في الذهن تلعب دورًا مهمًا في تشكيل القناعة، إذ كلما أصبحت الفكرة مألوفة أكثر، زاد احتمال تصديقها نتيجة سهولة تذكرها. غير أن هذا التأثير لا يعمل بشكل غير محدود، إذ تشير الأبحاث إلى أن فاعلية التكرار تبلغ ذروتها عادة بين ثلاث وخمس مرات، قبل أن تبدأ في التراجع، وقد يؤدي الإفراط في التكرار إلى نتائج عكسية تقلل من التأثير الإقناعي. كما توضح النتائج أن تأثير التكرار يعتمد بدرجة كبيرة على مستوى انتباه الجمهور، إذ يضعف تأثيره لدى الأشخاص الأكثر تركيزًا، الذين يميلون إلى تقييم الحجج بناءً على قوتها المنطقية لا على مجرد تكرارها.

ظاهرة التكرار.. سمة بنيوية في أسلوب «ترامب» الخطابي

وفي هذا الإطار، أشارت عالمة السياسة والأستاذة بجامعة هارفارد بيبا نوريس، إلى أن ظاهرة التكرار في خطاب دونالد ترامب لا تقتصر على ملف إيران أو القضايا الخارجية، بل تمثل سمة بنيوية في أسلوبه الخطابي العام. وبحسب تحليلها، يتكرر استخدام العبارات الأساسية في خطاباته كأداة متعمدة تجمع بين الإيحاء بالعفوية من جهة، وبين تثبيت الرسائل السياسية الأساسية من جهة أخرى. وأوضحت «نوريس» خلال حديثها مع «الوطن»، أن هذا الأسلوب يعكس ما يمكن وصفه بالعفوية المصنوعة، حيث يبدو الخطاب غير معد مسبقًا أو غير مقيد بنص مكتوب، بينما يؤدي في الواقع وظيفة تواصلية تقوم على إعادة التأكيد المستمر على نقاط محددة. ويمنح هذا التوازن بين الإلقاء العفوي والتكرار المقصود الخطاب طابعًا أقرب إلى الحديث المباشر، ويعزز لدى الجمهور شعورًا بأن المتحدث يتكلم بطبيعته لا وفق نص مُعد مسبقًا.

ومن زاوية التأثير السياسي، ترى «نوريس» أن الهدف الأساسي من هذا النمط هو اختراق الضوضاء الإعلامية، أي تجاوز التشبع المعلوماتي في البيئة الإعلامية الحديثة. فالتكرار المتعمد للعبارات المفتاحية يساعد على ترسيخ الرسائل الأساسية في ذهن المتلقي، خصوصًا في قضايا السياسة الخارجية التي غالبًا ما تكون أقل جاذبية للجمهور العام مقارنة بالقضايا الداخلية. وأضافت أن هذا الأسلوب يرتبط بطبيعة الجمهور السياسي نفسه، حيث يميل جزء من قاعدة ترامب الانتخابية إلى الاهتمام بالقضايا الخارجية المعقدة فقط عندما ترتبط بصراع واضح أو تدخل عسكري مباشر. ومن هنا، يصبح التكرار وسيلة لتبسيط الرسائل المعقدة وتحويلها إلى شعارات قابلة للاستيعاب السريع والتداول.

خطاب ترامب.. وتشبيهه بآليات التسويق والإعلان التجاري

وفي مقارنة لافتة، ربطت «نوريس» بين هذا النمط من الخطاب وبين آليات التسويق والإعلان التجاري، حيث تُستخدم الشعارات المتكررة والرموز اللفظية لتثبيت العلامات التجارية في الذاكرة العامة. وبالمثل، فإن تكرار العبارات في خطاب ترامب يؤدي وظيفة مشابهة تتمثل في تحويل الرسائل السياسية إلى علامات ذهنية مرتبطة بشخصه ومواقفه. وبناءً على ذلك، لا تنظر الباحثة إلى التكرار باعتباره عنصرًا ثانويًا في الخطاب السياسي، بل بوصفه أداة استراتيجية تجمع بين الإقناع النفسي، وبناء الصورة العامة، وإعادة تشكيل طريقة تلقي الجمهور للرسائل السياسية في بيئة إعلامية شديدة التشبع.

وفي سياق نقدي مواز، أشار تون فان ديك، أحد مؤسسي دراسات الخطاب النقدي وباحث في مجالات لسانيات النص وتحليل الخطاب، إلى أن التكرار في الخطاب السياسي يمكن فهمه جزئيًا من خلال تشبيهه بالإعلان التجاري، حيث يُستخدم لتعزيز ترسيخ الرسالة في ذهن المتلقي وزيادة قابليتها للتذكر. غير أنه يضع فارقًا مهمًا بين الخطاب السياسي والإعلان، موضحًا أن السياسة لا تعمل داخل فراغ دعائي بسيط، بل ضمن بيئة إعلامية معقدة تتضمن كمًا كبيرًا من التعليقات المضادة والتحليلات النقدية، وفي الحالة الأمريكية تحديدًا، يشير إلى وجود إعلام وصحافة تنتج باستمرار روايات موازية أو ناقدة لخطاب الحرب مع إيران أو لفكرة القضاء على التهديد النووي. وبالتالي، فإن تأثير التكرار في الخطاب السياسي لا يمكن فصله عن وجود خطاب مضاد يحد من قدرته على السيطرة الكاملة على الرأي العام، فبينما يساعد التكرار على تثبيت الرسالة، فإن تعدد المصادر الإعلامية وتضارب المواقف يخلقان حالة من التنافس الخطابي تجعل تأثيره أقل حسمًا مقارنة بنماذج الإعلان التقليدية. وأكد «فان ديك»، خلال حديثه مع «الوطن»، في النهاية إلى أن التكرار في الخطاب السياسي، رغم أهميته في تعزيز الرسائل، يظل جزءًا من بيئة جدلية مفتوحة، لا تُحدد فيها المعاني بشكل أحادي، بل تتشكل عبر تفاعل مستمر بين الخطاب الرسمي، والإعلام، والنقد العام.

وربط البروفيسور ماثيو بوم، أستاذ مارفن كالب للاتصالات العالمية وأستاذ السياسة العامة في كلية جون كينيدي للحكومة بجامعة هارفارد، بين تكرار خطاب ترامب والسياق الأوسع للسياسة الأمريكية تجاه إيران، معتبرًا أن هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي يُعد عنصرًا راسخًا في الخطاب السياسي الأمريكي منذ عقود، وهو ما يجعل هذه الفكرة مألوفة لدى الجمهور وتحظى بقبول واسع نسبيًا. ويرى «بوم»، خلال حديثه مع «الوطن»، أن تكرار ترامب لهذه العبارة لا يهدف فقط إلى إعادة طرح موقف سياسي، بل إلى تنشيط هذا البعد في أذهان الجمهور، ودفعهم إلى النظر إلى الصراع من خلاله، فكلما نجح «ترامب» في إقناع الجمهور بأن الحرب تدور حول منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وأنها تحقق تقدمًا في هذا الاتجاه، تزداد فرصه في كسب دعم الرأي العام. بمعنى آخر، وفقًا لـ«بوم»، فالتكرار هنا يعمل كأداة لإعادة توجيه السردية العامة نحو زاوية أكثر ملاءمة سياسيًا للإدارة الأمريكية.

لكن هذا المسار، يواجه تحديًا مباشرًا يتمثل في هيمنة البعد الاقتصادي على إدراك الجمهور، فالأمريكيون، في الوقت الحالي، ينظرون إلى الصراع مع إيران من خلال تأثيراته المباشرة على حياتهم اليومية، وعلى رأسها ارتفاع أسعار الوقود نتيجة التوترات في مضيق هرمز. وأشار إلى أن هذا الإطار الاقتصادي يمثل نقطة ضعف للإدارة، ويفسر إلى حد كبير تراجع شعبية الحرب، إذ إن التجربة المعيشية المباشرة تكون أكثر تأثيرًا من الرسائل السياسية المجردة.

التكرار يجعل الرسائل أكثر مصداقية

وفي ما يتعلق بوظيفة التكرار، أكد «بوم» أنه أحد المفاتيح الأساسية للإقناع، مستندًا إلى ما يُعرف بتحيز الألفة، حيث يميل الأفراد إلى اعتبار الأفكار المألوفة، بفعل تكرارها، أكثر مصداقية من غيرها. ومن هذا المنطلق، فإن تكرار خطاب منع إيران من امتلاك سلاح نووي يساعد على إعادة ترسيخ فكرة موجودة بالفعل في الوعي السياسي الأمريكي، مع محاولة تحويل النقاش بعيدًا عن التكاليف الاقتصادية للحرب. ومع ذلك، لفت «بوم» إلى أن هذه الاستراتيجية تواجه حدودًا واضحة، إذ يصعب إقناع الجمهور بتجاهل واقع ملموس مثل ارتفاع أسعار الوقود، وهو أمر يلاحظه المواطن يوميًا، فالإقناع، في مثل هذه الحالات، يكون أكثر فاعلية عندما لا يتعارض مع التجربة المباشرة للأفراد، بينما يؤدي هذا التعارض إلى تقليل تأثير الرسائل المتكررة.

التهديد النووي في مواجهة السردية الاقتصادية

وبحسب «بوم»، فخطاب التهديد النووي يمثل ربما الخيار الأفضل المتاح أمام الإدارة لمنافسة السردية الاقتصادية، لكنه يظل خيارًا غير مضمون النتائج، فنجاحه في التأثير على الرأي العام يرتبط بمدى قدرة الإدارة على تحقيق نتيجة واضحة، مثل تراجع إيران عن طموحاتها النووية، وفي هذه الحالة فقط، قد يعيد الجمهور تقييم التكلفة الاقتصادية، ويعتبر أن الثمن كان مستحقًا، وهو أمر لا يزال غير محسوم حتى الآن.

بينما يرى البروفيسور مايكل بيليج، أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة لوفبرا البريطانية، قراءة نقدية حذرة لظاهرة التكرار في خطاب دونالد ترامب، إذ أبدى تشككًا في التعامل مع التكرار باعتباره دليلًا مباشرًا على دافع سياسي محدد أو سمة نفسية بعينها. وأوضح أن التكرار يمكن أن يحمل دلالات مختلفة باختلاف السياق والمتحدث، مشيرًا إلى أن تكرار عبارات دينية، مثل الإشارة المستمرة إلى الإنجيل أو القرآن، قد يعكس إيمانًا عميقًا لدى البعض، أو محاولة للتأثير على الجمهور، أو حتى تعبيرًا غير مباشر عن غياب هذا الإيمان، وبناءً على ذلك، يرى أن التكرار في حد ذاته لا يكشف النوايا، بل يتطلب فهمًا أدق لما يُقال وسياقه. وأشار «بيليج» إلى أن حالة ترامب تزداد تعقيدًا، نظرًا لاعتماده على تكرار عدد كبير من الموضوعات والعبارات، بالتوازي مع تغيّر مواقفه السياسية بشكل متكرر، فبينما يكرر بعض الصياغات، لا يظهر دائمًا قدر مماثل من الثبات في مواقفه، إذ قد ينتقل من إطلاق تهديدات حادة إلى تقديم نفسه كـ«صانع سلام» في لحظة أخرى، هذا التباين، بحسب تحليله، يخلق فجوة بين استمرارية اللغة من جهة، وتقلب المواقف أو الأفعال من جهة أخرى، وفي بعض الأحيان يحدث العكس. ويخلص «بيليج» إلى أن العنصر الأكثر ثباتًا في خطاب ترامب لم يكن بالضرورة مواقفه السياسية أو حتى مضمون تصريحاته، بل ما يراه إيمانًا شديدًا بذاته، وهو عامل ينعكس على طريقة استخدامه للتكرار، لكنه لا يمكن تفسيره بمعزل عن هذا الإطار الأوسع من التناقضات في الخطاب والممارسة.