يظل مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب أحد أكثر الملفات غموضًا في أي مسار تفاوضي يهدف إلى احتواء البرنامج النووي الإيراني وتحقيق اتفاق بين واشنطن وطهران. فبينما تؤكد الولايات المتحدة أن منع طهران من امتلاك سلاح نووي يمثل أولوية استراتيجية، لا يزال مكان تخزين كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب غير معروف على وجه الدقة.
تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية
تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران كانت تمتلك حتى منتصف عام 2025 نحو 440 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية تكفي - بعد مزيد من التخصيب - لإنتاج عدة أسلحة نووية. وتُخزن هذه المواد عادة داخل حاويات صغيرة نسبيًا يمكن نقلها وتوزيعها بين مواقع مختلفة، ما يزيد صعوبة تتبعها، بحسب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
منشأة أصفهان تحت الأرض
بحسب تقديرات مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، فإن الجزء الأكبر من اليورانيوم المخصب قد يكون مخزنًا داخل منشآت تحت الأرض قرب مجمع أصفهان النووي. ويعتقد خبراء أن المجمع يقع في أعماق جبل ويضم شبكة أنفاق ومنشآت محصنة يصعب استهدافها حتى باستخدام القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية خلال الأشهر الأخيرة أعمالًا هندسية جديدة شملت إغلاق بعض مداخل الأنفاق بالأتربة وإقامة حواجز ترابية ومنشآت دفاعية إضافية حول الموقع. وتعزز هذه الإجراءات الاعتقاد بأن الموقع يحتفظ بأصول استراتيجية ذات قيمة عالية بالنسبة لطهران، من بينها المواد النووية المخصبة. كما رصد محللون صورًا التُقطت قبيل الحرب التي اندلعت العام الماضي، تظهر شاحنة محملة بالقرب من أحد مداخل الأنفاق، مما أثار تكهنات بشأن نقل مواد نووية أو معدات مرتبطة ببرنامج التخصيب إلى داخل المجمع المحصن.
نطنز.. الهدف المتكرر للضربات
يرجح خبراء أن جزءًا آخر من المخزون قد يكون موجودًا في منشأة نطنز، أكبر مراكز تخصيب اليورانيوم في إيران. وكانت المنشأة قد تعرضت لسلسلة من الضربات الأمريكية والإسرائيلية خلال عامي 2025 و2026، مما أدى إلى أضرار كبيرة في البنية التحتية الخاصة بالتخصيب، إلا أن مصير أي مواد نووية كانت مخزنة في الموقع ظل غير معروف. ويثير اهتمام المراقبين أيضًا موقع جبلي قريب يُعرف باسم جبل بيك آكس، حيث تواصل إيران منذ سنوات أعمال إنشاء منشآت جديدة تحت الأرض، وتظهر صور حديثة للأقمار الصناعية استمرار عمليات البناء والتحصين، بما في ذلك إقامة جدران أمنية وتعزيز مداخل الأنفاق، في خطوة يراها خبراء محاولة لحماية منشآت استراتيجية من أي هجمات مستقبلية.
فوردو.. تحت الأنقاض
أما منشأة فوردو النووية، التي تُعد من أكثر المواقع الإيرانية تحصينًا، فقد تعرضت لضربات أمريكية مكثفة عام 2025 باستخدام قنابل خارقة للتحصينات، مما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من الموقع. ورغم ذلك، لا تزال هناك تساؤلات حول ما إذا كانت أي مواد نووية قد أُخرجت من المنشأة قبل الهجمات أو نُقلت إلى مواقع أخرى. وتُظهر صور الأقمار الصناعية الحديثة أن إيران أقامت عوائق جديدة على الطرق المؤدية إلى مداخل الأنفاق المدفونة، في خطوة قد تهدف إلى إبطاء أي عملية عسكرية محتملة ضد الموقع.
مواقع مجهولة تزيد الغموض
ويرى خبراء الانتشار النووي أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في توزيع مخزون اليورانيوم المخصب على عدة مواقع مختلفة، بعضها قد لا يكون معروفًا للأجهزة الدولية أو الاستخبارات الغربية. ويؤكد هؤلاء أن أي محاولة لاستعادة المواد النووية أو التخلص منها بالقوة ستواجه تحديات هائلة دون تعاون مباشر من السلطات الإيرانية، خصوصًا إذا كانت المواد موزعة داخل شبكة من المواقع السرية.
كميات إضافية من اليورانيوم
ولا يقتصر الأمر على اليورانيوم المخصب بنسبة 60% فقط، إذ تشير أحدث تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران تمتلك ما يزيد على تسعة أطنان من اليورانيوم المخصب بدرجات مختلفة، من بينها كميات مخصبة بنسبة 20% وأخرى بنسبة 5%. ورغم أن تحويل هذه المواد إلى وقود صالح لصنع سلاح نووي يتطلب وقتًا وجهدًا إضافيين، فإن احتفاظ إيران بقدرات التخصيب يعني أنها ستظل قادرة على رفع مستويات التخصيب مستقبلًا ما دامت منشآتها النووية التشغيلية قائمة.



