بعد أزمة إدارية استمرت أكثر من ثلاثة أشهر بسبب خلو منصب رئيس المعهد، نشر المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية على صفحته الرسمية على فيسبوك لمحة تاريخية عن نشأته، مؤكدًا أنه ليس مجرد مبنى إداري، بل شبكة عقول وطنية تعمل بتكامل لرصد الفضاء وحماية الأرض.
نشأة المعهد وتاريخه العريق
يعتبر المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أقدم مؤسسة بحثية في أفريقيا والشرق الأوسط، ويمتد تاريخه لأكثر من 187 عامًا. بدأت قصته في عام 1839 عندما أصدر والي مصر محمد علي باشا قرارًا بإنشاء مرصد بولاق، الذي اكتمل تشغيله الفعلي كمرصد علمي متكامل في عام 1845. كان الهدف الرئيسي للمرصد هو ضبط الزمن وحساب المساحات ورسم الخرائط العسكرية والمدنية. تم اختيار بولاق لموقعها الاستراتيجي كميناء نهري رئيسي، مما سهل استقبال الأجهزة الحساسة من أوروبا، ولقربها من مدرسة المهندسخانة والترسانة.
المرحلة الثانية: المرصد الخديوي بالعباسية (1868)
مع تحول بولاق إلى منطقة صناعية وازدياد التلوث، انتقل المرصد إلى صحراء العباسية في عام 1868 تحت إدارة علماء بارزين مثل محمود باشا الفلكي. شهد المرصد تطورًا نوعيًا بإنشاء محطة أرصاد جوية ذات تسجيل ذاتي واستخدام أجهزة جيوديسية فرنسية لرسم خرائط دقيقة. في عام 1889، بدأت القياسات الزلزالية الرسمية في مصر، لكن الزحف العمراني ودخول خطوط الترام الكهربائية أثرت على دقة الرصد، مما استدعى الانتقال مرة أخرى.
المرحلة الثالثة: مرصد حلوان (1903) - العصر الذهبي
تم اختيار هضبة حلوان لموقعها المتميز بجو جاف وسماء صافية، ليصبح مرصد حلوان في عام 1905 موطنًا لتلسكوب رينولدز بقطر 30 بوصة، الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط. أصبح المرصد العين الجنوبية للمراصد الأوروبية، وساهم في التقاط صور فائقة الدقة لمذنب هالي في عام 1910. يمتلك المعهد ثاني ساعة نجمية في العالم بعد ساعة مرصد جرينتش، وهي ضرورية لتوجيه التلسكوبات بدقة نحو الفضاء السحيق.
التشريح المؤسسي للمعهد
يعمل في المعهد أكثر من 300 كادر علمي وبحثي، وينقسم إلى ستة أقسام علمية:
- قسم الفلك: مسؤول عن استكشاف الكون وإدارة المراصد الفلكية، بما في ذلك مرصد القطامية، ويقوم بالحسابات الفلكية لتحديد بدايات الشهور الهجرية ومواقيت الصلاة.
- قسم الشمس والفضاء: يدرس فيزياء الشمس والطقس الفضائي، ويتتبع مسارات الأقمار الصناعية والحطام الفضائي لحماية الأصول الفضائية المصرية.
- قسم الزلازل: يدير الشبكة القومية للزلازل، ويقوم برصد النشاط الزلزالي لحظيًا ودراسة الفوالق النشطة لحماية المنشآت الاستراتيجية.
- المركز الوطني للبيانات: يضم المركز الأفريقي لدراسة المخاطر وقسم التفجيرات النووية ونزع السلاح، وهو الممثل الرسمي لمصر في الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- قسم المغناطيسية والكهربية الأرضية: يدرس المجال المغناطيسي للأرض ويساعد في التنقيب عن البترول والمياه الجوفية واستكشاف الآثار.
- قسم الجيوديناميكا: يدرس الحركات البطيئة للقشرة الأرضية مثل حركة الصفائح التكتونية والهبوط الأرضي باستخدام تقنيات GPS فائقة الدقة.
الشبكة القومية للزلازل (ENSN)
بعد زلزال 1992، بنى المعهد منظومة لا مركزية تضم أكثر من 100 محطة رصد زلزالي تعمل بالطاقة الشمسية، وترتبط بسبعة مراكز إقليمية في أسوان والغردقة ومرسى علم وبرج العرب والواحات والضبعة، وترسل البيانات لحظيًا عبر الأقمار الصناعية. كما يغطي المعهد السد العالي وخزان أسوان بأكثر من 17 جهازًا لرصد النشاط الزلزالي على مدار الساعة. يمكن للمواطنين متابعة الحالة الزلزالية لحظيًا عبر الموقع الرسمي: https://ensn.nriag.sci.eg/.
رصد الأقمار الصناعية والحطام الفضائي
في عام 2017، وبالتعاون مع مراصد الصين، أنشأ المعهد محطة رصد بالليزر (SLR) والرصد البصري السريع، مزودة بتلسكوبين بقطر 120 سم و70 سم. تعتمد التقنية على إرسال نبضات ليزرية لحساب المسافات ورصد الأجسام حتى ارتفاع 36,000 كيلومتر، لحماية الأقمار الصناعية المصرية. ساعد مرصد حلوان وكالة ناسا في تحديد المواقع المثلى لهبوط رواد فضاء رحلتي أبوللو 11 وأبوللو 12، ويمتلك المعهد وثائق شكر رسمية من ناسا.
دور المعهد في حرب أكتوبر 1973
قدم المعهد معلومات فنية دقيقة للقيادة السياسية والعسكرية، شملت دراسات لزوايا سقوط الشمس وظواهر المد والجزر في قناة السويس، والتي كانت محددات رئيسية لاختيار ساعة الصفر المثلى للعبور في حرب أكتوبر 1973.
بعد الأزمة الإدارية الأخيرة، أصدر الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، قرارًا بندب الدكتور باسم سيد نبوي إبراهيم لتسيير أعمال رئيس المعهد، لضمان استمرار العمل في هذه المؤسسة العريقة التي تمثل ركيزة أساسية في بناء مستقبل مصر.



