في مثل هذا اليوم من عام 1894، رحل السلطان المولى الحسن الأول، أحد أعظم سلاطين الدولة العلوية الذين حكموا المملكة المغربية. كانت وفاته بمثابة هزة عنيفة أصابت أركان الدولة الاستراتيجية في توقيت بالغ الحساسية، حيث عاش المغرب مواجهات شرسة للحفاظ على سيادته ووجوده ضد التكالب الاستعماري الأوروبي.
الحسن الأول: أمير القصور وسليل العصبية الشريفة
تأسست ملامح شخصية المولى الحسن الأول في كنف والده السلطان محمد الرابع، حيث ولد في مراكش عام 1836، ونشأ في بيئة تموج بالتحديات السياسية والعسكرية عقب هزيمة المغرب في معركة إسلي أمام فرنسا. تلقى الأمير الشاب تربية دينية وسياسية صارمة في قصور فاس ومراكش، وتمرس على أيدي كبار علماء ورجال الدولة في عهد أبيه، مما صقل هويته كقائد عسكري حازم وسياسي مرن يتقن فنون الإدارة والدبلوماسية. اتسمت ملامح شخصيته بالهيبة والوقار والذكاء الحذر، وتولد لديه وعي مبكر بحتمية التحديث وعصرنة مؤسسات الدولة كوسيلة وحيدة لمواجهة الأطماع الأجنبية والحفاظ على استقلال المملكة.
كواليس البيعة وتأمين البيت الداخلي
تولى المولى الحسن الأول مقاليد الحكم في سبتمبر من عام 1873 عقب وفاة والده، ولم يكن الصعود لسدة العرش مفروشًا بالورود، بل جاء في كواليس حابسة للأنفاس. إذ واجهت البيعة في بدايتها بعض الاضطرابات والتحفظات من سكان مدينة فاس وبعض القبائل الرافضة للضرائب. وبذكائه وحنكته، نجح السلطان الجديد في احتواء هذه الفتن سريعًا؛ حيث جمع بين الحوار وتقديم التنازلات المالية الذكية وبين استخدام الحزم العسكري لتثبيت دعائم سلطته، لينال إجماع العلماء والأعيان ويقود حركة إصلاحية شاملة شملت تحديث الجيش، وإرسال البعثات الطلابية إلى أوروبا، وإعادة تنظيم الإدارة والجمارك لإنقاذ الخزانة العامة من شبح الإفلاس.
وقبل اعتلاء الحسن الأول العرش، كان المغرب يعاني من ضعف الإدارة المركزية وانقسام البلاد إلى منطقتين: "بلاد المخزن" الخاضعة تمامًا لسلطة الدولة، و"بلاد السيبة" التي تتمرد فيها القبائل على القوانين والضرائب. ترتب على هذه الوضعية المترنحة إطلاق السلطان سلسلة من الحركات العسكرية السنوية التي جاب فيها أقاليم البلاد من السوس جنوبًا إلى وجدة شرقًا؛ فنجح في فرض هيبة الدولة، وترميم التصدعات الداخلية، وحماية السيادة المغربية من مناورات بريطانيا وفرنسا وإسبانيا في مؤتمر مدريد عام 1880، ليترك وراءه إرثًا أسطوريًا كدولة موحدة مستقلة تمتلك جيشًا حديثًا وإرادة سياسية فرضت احترامها على القوى الإمبراطورية.
كواليس وفاة الحسن الأول
خلال إحدى حركاته العسكرية في منطقة تادلة، داهمه المرض وهو يتابع شؤون الأمن. تكشف الوثائق أن الصدر الأعظم "با حماد" أدرك خطورة إعلان النبأ وسط الجيش والقبائل المتربصة، فقرر بذكاء إخفاء خبر الوفاة لعدة أيام، واستمر في تحريك محفة السلطان كأنه حي، وتقديم الطعام والرسائل إلى خيمته، حتى وصل الجثمان سرًا إلى الرباط، وتأمنت بيعة ابنه الشاب المولى عبد العزيز. لتنتهي فصول حياة هذا السلطان العظيم بلعبة سياسية حابسة للأنفاس حمت المغرب من السقوط في فخ الانفجار الداخلي والتدخل الأجنبي.



