ناجح إبراهيم يقود انقلابا فكريا داخل الجماعة الإسلامية
شبه الدكتور ناجح إبراهيم، أحد أبرز المؤسسين التاريخيين للجماعة الإسلامية في مصر، الرئيس الراحل أنور السادات بالخليفة عثمان بن عفان، معتبرا أنه قتل مظلوما. وجاءت تصريحاته في حوار تلفزيوني أثار ضجة واسعة في مصر والمنطقة العربية، حيث فتح ملفات ظلت لعقود محل جدل داخل أوساط النخب السياسية ودوائر الإسلام السياسي.
تفاصيل التصريحات وردود الفعل
أكد ناجح إبراهيم أن تجربة الجماعات الإسلامية أضرت بالدعوة وغلبت سلبياتها على حسناتها، مما أطلق موجة من النقاشات بين إسلاميين وباحثين ومفكرين من اتجاهات فكرية مختلفة. وامتد الجدل من الأوساط الحركية إلى منصات التواصل الاجتماعي، ليعيد طرح أسئلة قديمة حول حصيلة تجربة الإسلام السياسي في مصر وحدود المراجعات الفكرية التي شهدتها تلك الجماعات خلال العقود الماضية.
وبين قيادات سابقة تحاول الحفاظ على ما تبقى من الروابط التنظيمية، وباحثين يرون أن ردود الفعل الحالية تكشف عن أزمة في استيعاب المراجعات الفكرية، ومفكرين من خارج التيار الإسلامي يعتبرون أن المراجعات جاءت متأخرة، تبدو الساحة أمام مراجعة جديدة لتجربة امتدت لنحو نصف قرن من التفاعل والصدام مع الدولة والمجتمع.
الجماعات الإسلامية: من التأسيس إلى المراجعات
نشأت الجماعة الإسلامية داخل الجامعات المصرية خلال سبعينيات القرن الماضي كحركة دعوية وطلابية، قبل أن تتأثر بأفكار سيد قطب وخاصة ما ورد في كتاباته المتأخرة مثل «معالم في الطريق». هذه الأفكار دفعت قطاعات من المنتمين لهذه التيارات إلى تبني رؤية تقوم على نزع الشرعية عن الأنظمة السياسية القائمة واعتبار تغييرها واجبا دينيا. ووصل هذا المسار إلى ذروته في السادس من أكتوبر 1981 مع اغتيال الرئيس أنور السادات خلال العرض العسكري، وهي العملية التي نفذها خالد الإسلامبولي وثلاثة من رفاقه.
ويرى مراقبون أن المفارقة التاريخية تكمن في أن السادات نفسه دفع ثمن إتاحة مساحة واسعة لنشاط التيارات الإسلامية خلال السبعينيات في إطار مواجهة التيارات اليسارية والناصرية، قبل أن تنقلب بعض هذه التنظيمات عليه لاحقا. ولم تتوقف المواجهة عند قتل السادات، بل امتدت إلى الثمانينيات والتسعينيات، حيث دخلت الجماعة الإسلامية في مواجهة مسلحة مع الدولة المصرية أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا ودخول أعداد كبيرة من أعضائها السجون. ومع الضغط الشديد على الحركة بدأت تتبلور داخل السجون مراجعات فكرية واسعة، كان ناجح إبراهيم أحد أبرز منظريها إلى جانب عدد من قيادات الجماعة، من بينهم كرم زهدي. وفي عام 1997 أعلنت الجماعة مبادرة وقف العنف، التي أعقبها إصدار سلسلة «تصحيح المفاهيم»، والتي تضمنت مراجعات جوهرية اعترفت بأخطاء الصدام المسلح وأكدت شرعية الدولة وحرمة الدماء.
لماذا أثارت تصريحات ناجح إبراهيم كل هذا الجدل؟
يرى شريف طه، الباحث السلفي، أن كثيرا من الأفكار التي طرحها ناجح إبراهيم ليست جديدة في مضمونها، إلا أن الجديد هذه المرة يكمن في درجة الوضوح والحسم التي قدم بها تقييمه للتجربة. وبحسب طه، فإن ما أثار غضب قطاعات من أبناء الجماعة هو أن إبراهيم لم يكتفِ بإدانة بعض الممارسات أو الأخطاء، بل قدم نقدا شاملا للتجربة الحركية نفسها، وهو ما اعتبره كثيرون مساسا بالمسار الذي أفنوا فيه سنوات طويلة من أعمارهم. ويشير الباحث إلى تراجع تأثير خطاب المراجعات الفكرية لدى بعض قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية بعد أحداث عام 2013، لافتا إلى أن بعض الخطابات الإعلامية الصادرة عن قيادات سابقة عكست عودة إلى منطق الصدام والتبرير الذي سعت المراجعات إلى تجاوزه. ويربط طه هذا التحول بانخراط الجماعة الإسلامية في تحالف دعم الشرعية بعد عام 2013، معتبرا أن ذلك أسهم في إعادة إنتاج بعض الخطابات التي كانت المراجعات الفكرية قد تجاوزتها سابقا.
أهمية نقد الأفكار الحركية
تتجاوز قراءة شريف طه حدود تقييم المواقف السياسية إلى نقد البنية الفكرية للتنظيمات الإسلامية الحركية نفسها، لافتا إلى أن أزمة هذه التنظيمات تعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية: الأول يتمثل في غياب ما يسميه فقه الدولة، أي القدرة على التمييز بين إدارة جماعة تنظيمية محدودة وبين إدارة دولة تقوم على المواطنة والمؤسسات والتعددية. والثاني يرتبط بسرعة الانتقال إلى العنف والصدام عند الاحتكاك بالسلطة السياسية، وهو ما قاد إلى تجارب دامية دفعت المجتمعات ثمنها. في حين يتمثل العامل الثالث في ما يصفه بـ«وهم ابتلاع الدولة»، أي محاولة إخضاع مؤسسات الدولة لأيديولوجيا التنظيم، بدلا من التكيف مع قواعد العمل السياسي والمؤسسي. ويميز طه بين نموذجين من العمل الجماعي: الأول هو النموذج الحركي العقائدي الذي يسعى إلى احتكار تمثيل الدين والمجتمع، والثاني هو نموذج العمل المؤسسي المدني الذي يعمل داخل الأطر القانونية والسياسية القائمة دون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة أو السعي إلى الدخول في صدامات وجودية مع الدولة.
منتصر عمران: النقاش بحاجة إلى تجاوز الشخصنة
على الجانب الآخر، قدم منتصر عمران، الباحث في شئون الجماعات الإسلامية والقيادي السابق في الجماعة الإسلامية، قراءة مختلفة لطبيعة الجدل الحالي، داعيا إلى إخراج النقاش من دائرة الشخصنة وتصفية الحسابات إلى مساحة أوسع من المراجعة الفكرية الهادئة. ويستعيد عمران واقعة جمعته بالدكتور ناجح إبراهيم عقب صدور حكم قضائي بحل حزب البناء والتنمية، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية. وبحسب روايته، أبدى إبراهيم حينها اعتراضه على إغلاق الحزب، معتبرا أن وجود كيان سياسي شرعي يمكن أن يشكل متنفسا قانونيا لأبناء الجماعة ويمنع عودتهم إلى الأفكار القديمة أو الأطر السرية. ويرى الباحث أن هذه الواقعة تعكس استمرار اهتمام ناجح إبراهيم بأبناء الجماعة رغم ابتعاده عنها تنظيما، مؤكدا أن الاختلاف مع آرائه الحالية لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لإلغاء تاريخه أو التقليل من دوره في مسار المراجعات الفكرية. كما يشير عمران إلى أن الجماعة الإسلامية لم تعد تمتلك حضورا تنظيميا أو جماهيريا مؤثرا كما كان الحال في العقود السابقة، ومعظم أعضائها تجاوزوا سن الخمسين، مما يجعل النقاش الدائر اليوم أقرب إلى مراجعة تجربة تاريخية منه إلى نشاط سياسي حاضر في المشهد.
رأي اليسار في تصريحات ناجح إبراهيم
في المقابل يقدم الكاتب والمفكر اليساري مأمون الشناوي رؤية مختلفة تجاه تصريحات ناجح إبراهيم. ويعترض الشناوي بصورة خاصة على تشبيه اغتيال السادات بمقتل الخليفة عثمان بن عفان، معتبرا أن المقارنة تفتقر إلى الدقة السياسية والتاريخية بسبب اختلاف السياقات والظروف بين الحدثين. ويرى الشناوي أن الاعتراف بخطأ العنف، رغم أهميته الأخلاقية، جاء بعد عقود طويلة من وقوع الأحداث، متسائلا عن جدوى هذا الندم المتأخر في ظل ما خلفته تلك المرحلة من آثار سياسية واجتماعية واسعة. ويؤكد المفكر اليساري أن القوى المدنية المصرية، رغم خلافاتها الحادة مع السادات وسياساته، لم تلجأ إلى العنف أو الاغتيال كوسيلة للتغيير، معتبرا أن هذا الفارق يمثل جوهر الاختلاف بين العمل السياسي المدني وتجارب التنظيمات الدينية المسلحة.
الخلاصة: معركة على الذاكرة والتفسير التاريخي
تكشف ردود الفعل المتباينة على تصريحات ناجح إبراهيم أن الجدل لا يتعلق فقط بتقييم الرئيس الراحل أنور السادات أو بقراءة مرحلة تاريخية بعينها، بل يمتد إلى مراجعة أوسع لتجربة الإسلام الحركي في مصر وما تركته من آثار فكرية وتنظيمية. وحسب خبراء، هناك من يقرأ تصريحات إبراهيم باعتبارها امتدادا طبيعيا لمسار المراجعات الفكرية، ومن يعتبرها قطيعة كاملة مع التجربة السابقة، ومن يراها اعترافا متأخرا بأخطاء تاريخية جسيمة. لكن يبقى المؤكد أن النقاش الدائر اليوم يعكس استمرار الصراع حول كيفية قراءة الماضي واستخلاص دروسه. وفي ظل غياب التأثير التنظيمي للجماعات الإسلامية عن المشهد العام، تبدو المعركة الحالية أقرب إلى معركة على الذاكرة والتفسير التاريخي منها إلى صراع سياسي مباشر، وهي معركة لا تزال نتائجها مفتوحة على احتمالات متعددة.



