عندما أعلنت الحكومة مؤخراً على لسان رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي عن عزمها تطبيق منظومة تموينية جديدة تهدف إلى تحويل الدعم العيني إلى دعم نقدي، لضمان وصول الدعم لمستحقيه وتحقيق العدالة الاجتماعية، قفز إلى ذهني المثل الشائع "الحداية مبتحدفش كتاكيت". ربما لأنني ومعي جموع الشعب لم نعتد على هذا الرفق الحكومي بالمواطن.
ملامح المنظومة الجديدة
بدأت قراءة ملامح تلك المنظومة التي أعلنتها الحكومة بكل فخر، متعهداً لنفسي بالحيادية التامة حتى لا أتهم بمعاداة الحكومة الرشيدة التي لا تألو جهداً في البحث عن وسائل راحة المواطن.
أعلنت الحكومة في البداية أنها ستدرج عدداً كبيراً من السلع التي لم تكن ضمن المنظومة التموينية سابقاً، مثل اللحوم والدواجن ومنتجات الألبان، ليرتفع عدد السلع المدرجة من 33 سلعة إلى نحو 80 سلعة. على أن يحصل عليها المستفيد بالأسعار الحرة المعمول بها في الأسواق، ويختار صاحب البطاقة ما يشاء من سلع في حدود القيمة التي ستحددها الحكومة.
تغييرات في نظام الخبز
أما بالنسبة لرغيف الخبز، فيحق للمواطن الحصول عليه بكامل المبلغ المستحق ولكن بالسعر الحر في الأسواق، حيث سيتم إلغاء نقاط الخبز الحالية. وهذا يعطي أصحاب المخابز صلاحية تحديد السعر دون رقيب.
تحليل حقيقة الدعم النقدي
عند التأمل في هذه التصريحات، لا تجد أي مبرر حقيقي لهذا التغيير المزعوم. فلن يحصل المواطن على مبالغ نقدية، بل سيختار السلع كما هو الحال الآن. لذا فإن الدعم النقدي في مفهوم الحكومة يختلف عن المفهوم الحقيقي، ولن يكون نقدياً كما تزعم. والمنظومة الجديدة ليست جديدة، خاصة أن التصريحات تؤكد أنه لا يعقل وجود أكثر من سعر للسلعة الواحدة، مثلما هو الحال في الخبز المدعم والحر.
إذاً، الحكومة تزرع الألغام تحت مسمى منظومة جديدة ودعم نقدي، وهو مخطط مشبوه يهدف إلى تحرير أسعار السلع، وإلغاء السلع المدعمة وتحديداً الخبز، وتقليص الدعم وحذف أسماء مستفيدين بحجة تحقيق العدالة، خاصة أن عدد المستفيدين يبلغ 67 مليوناً.
تقسيم المستفيدين إلى شرائح
الدليل على وجود هذا المخطط هو ما أعلنته الحكومة عن تقسيم المستفيدين إلى شرائح حسب الدخل والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية. وبناءً على هذا التصنيف، ستحصل الأسر الأكثر احتياجاً على دعم أعلى، مع الاعتراف بأن المنظومة الحالية تعاني من تسرب جزء من الدعم وهدر.
هذا التقسيم هو بوابة لطرد عدد كبير من المواطنين من قائمة المستفيدين. الحكومة ستضع شروطاً مثل استبعاد من يمتلك أملاكاً أو سيارة أو دراجة بخارية، أو من يستهلك كهرباء ومياه وغاز وإنترنت، أو من يشحن هاتفه بمبالغ كبيرة. وقد يُتهم كل من يشتري شوكولاتة أو آيس كريم لأولاده بأنه من المترفين الذين لا يستحقون الدعم.
النتائج المتوقعة
ستضع الحكومة كل العراقيل والقيود لاستبعاد عدد كبير من المستفيدين، وقد ينتهي الأمر بالفئات الحاصلة على معاش تكافل وكرامة فقط، ولا عزاء لمن هم دون ذلك.
الوضع الحالي يضمن حصول المواطن على سلع أساسية مثل الخبز والسلع التموينية، مما يوفر حداً أدنى مضموناً من الاحتياجات. بينما الدعم النقدي لا يحقق الهدف نفسه إذا شهدت الأسواق ارتفاعات متتالية في الأسعار.
ويبقى التأكيد على أن بطاقة التموين هي الشريان الذي يضخ فتات الحياة في الأسرة بعد أن قتل الغلاء الفاحش كل مواردها، وهي الملاذ الآمن في ظل انهيار القوة الشرائية للمواطن.



