ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر الدكتور ربيع الغفير، أستاذ اللغويات المساعد بجامعة الأزهر، تحت عنوان: "العام الهجري.. وقفات وتأملات"، مؤكداً أن الهجرة النبوية الشريفة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، بل كانت تحولاً حضارياً وإنسانياً عظيماً غير مجرى التاريخ، وأرست دعائم دولة العدل والقيم والأخلاق.
تحديد موعد الهجرة وبداية التقويم
أوضح خطيب الجامع الأزهر أن الهجرة النبوية لم تقع في شهر المحرم كما يظن البعض، بل في شهر ربيع الأول باتفاق المؤرخين، حيث خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة في أول ربيع الأول ووصل إلى المدينة في الثاني عشر منه. وارتباط الهجرة ببداية العام الهجري جاء من اعتمادها أساساً للتقويم الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأشار إلى أنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق لم يكن للمسلمين تاريخ رسمي، وعندما اتسعت الدولة في عهد عمر بن الخطاب وكثرت الفتوحات، استشار الصحابة في الحدث الأهم للتأريخ، فاستقر رأيهم على الهجرة النبوية لنقطة التحول التي انتقل بها المسلمون من الاستضعاف إلى بناء الدولة.
ترتيب الشهور واختيار المحرم
بين خطيب الجامع الأزهر أن اختيار شهر المحرم بداية للعام الهجري جاء بعد أن أعاد الإسلام ترتيب الشهور إلى مواضعها الصحيحة، بعد عبث العرب في الجاهلية بالنسيء. واستشهد بقوله تعالى: "إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ"، وبحديث النبي في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض"، مؤكداً أن هذا الترتيب الشرعي هو ما بني عليه التقويم الهجري.
محنة النبي في مكة ودروس الهجرة
تطرق الدكتور ربيع الغفير إلى ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من أذى واضطهاد طوال ثلاثة عشر عاماً في مكة، حتى بلغ حقد المشركين ذروته بالتآمر على قتله في دار الندوة. وجاء القرآن كاشفاً مؤامرتهم بقوله تعالى: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ". وأكد أن الهجرة كانت مظهراً من مظاهر حفظ الله لنبيه، ودليلاً على أن تدبير الله فوق كل تدبير.
وأضاف أن الهجرة قدمت نموذجاً فريداً في التوكل الصادق على الله مع الثقة الكاملة في معيته ونصره، كما تجسد في موقف النبي وصاحبه أبي بكر في غار ثور، حين قال النبي: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا". وهذه الكلمات درس عظيم لكل مسلم يواجه الشدائد، تمنحه الطمأنينة بأن معية الله كفيلة بتجاوز المحن.
الصحبة الصالحة والتخطيط المحكم
أكد خطيب الجامع الأزهر أن من أعظم الدروس قيمة الصحبة الصالحة والوفاء، التي تجلت في شخصية أبي بكر الصديق، الذي اختاره الله ليكون رفيق النبي في أخطر المراحل، فبذل ماله وجهده ونفسه، حتى استحق أن يخلد القرآن ذكره. كما أوضح أن الهجرة مدرسة متكاملة في التخطيط والأخذ بالأسباب، حيث جمع النبي بين التوكل وبذل الجهد الإنساني، فاختار الطريق غير المعتاد، واستأجر دليلاً خبيراً، وأعد الراحلتين مسبقاً، ووزع الأدوار بدقة.
وأشار إلى أن الإسلام يدعو إلى منهج متوازن يجمع بين الإيمان والعمل، مستشهداً بقوله تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ". كما جسدت الهجرة قيم الصبر والتضحية والإيثار، حيث ترك المهاجرون أوطانهم وأموالهم، واستقبلهم الأنصار بقلوب مفعمة بالإيمان والمحبة، وضربوا أروع الأمثلة في البذل، فخلد القرآن موقفهم: "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ".
دعوة لاستقبال العام الجديد
اختتم فضيلة الدكتور ربيع الغفير خطبته بدعوة المسلمين إلى استقبال العام الهجري الجديد بالمحاسبة الصادقة للنفس، وتجديد العهد مع الله، والتمسك بالقيم والأخلاق التي جاءت بها الهجرة، والعمل الجاد من أجل رفعة الأوطان وتقدم المجتمعات. سائلاً الله تعالى أن يحفظ مصر وسائر بلاد المسلمين، وأن يجعل العام الهجري الجديد عام خير وأمن وبركة على الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء.



