تحول أمريكي: لماذا تخلت واشنطن عن سياسة تغيير النظام في إيران؟
تحول أمريكي: لماذا تخلت واشنطن عن تغيير النظام في إيران؟

تحول استراتيجي: واشنطن تتراجع عن سياسة تغيير النظام في إيران

تشير التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين أمريكيين بارزين إلى تحول جوهري في مقاربة الولايات المتحدة تجاه إيران، حيث تظهر واشنطن إدراكًا متزايدًا للمخاطر والكلفة العالية المرتبطة بتغيير الأنظمة بالقوة. هذا التحول يعكس استحضارًا لتجارب إقليمية سابقة، مثل التجربة الليبية، التي أثبتت فشلها في تحقيق الاستقرار وأدت إلى فوضى واسعة النطاق.

أسباب التراجع الأمريكي

أكد السفير الأمريكي لدى حلف الناتو، ماثيو ويتاكر، أن واشنطن لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني، محذرًا من تكرار "سيناريو ليبيا"، في إشارة واضحة إلى التداعيات الكارثية التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011. هذا التحول يعكس قناعة داخل دوائر صنع القرار الأمريكي بأن الفوضى الناتجة عن انهيار الدول باتت أكثر تهديدًا للمصالح الغربية من استمرار أنظمة معادية يمكن احتواؤها.

في الوقت نفسه، تسير إدارة الرئيس دونالد ترامب باتجاه تفضيل المسار التفاوضي مع إيران، في محاولة لتجنب مواجهة عسكرية واسعة الكلفة وغير مضمونة النتائج. ورغم الخطاب المُعلن حول منع طهران من امتلاك سلاح نووي، فإن المؤشرات توحي بأن أي اتفاق محتمل سيكون أقرب إلى تسوية سياسية رمزية منه إلى ترتيبات رقابية صارمة.

تعقيدات الملف النووي والدور الإقليمي

يزداد الملف تعقيدًا مع رفض إيران المتوقع لتوسيع صلاحيات التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، واحتمال لعب فلاديمير بوتين دور الوسيط، ما يمنح موسكو نفوذًا إضافيًا في واحدة من أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية. أحد التحولات البارزة يكشف عنه تراجع الضغط الأميركي على الأنشطة الإقليمية لإيران، سواء فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية أو بدعم الجماعات المسلحة في المنطقة.

فقد توقفت واشنطن عن طرح ملفات تسليح حزب الله في لبنان، أو حماس أو الميليشيات الموالية لطهران في العراق وسوريا فضلًا عن الحوثيين في اليمن، الأمر الذي يعني "عمليًا" قبولًا غير مباشر بتوسّع النفوذ الإيراني في الإقليم مقابل خفض احتمالات الصدام المباشر.

المرجعية التاريخية: درس ليبيا

ربما تتمثل المرجعية التي تستند إليها الإدارة الأمريكية في تبرير هذا التحول في التجربة الليبية، حيث أدى إسقاط النظام إلى تفكك الدولة، وصعود الجماعات المتطرفة، وتحول البلاد إلى ساحة صراع دولي مفتوح. استثمرت روسيا هذا الفراغ عبر دعم قوات المشير خليفة حفتر، وتوسيع حضورها العسكري بإشراف قيادات بارزة مثل سيرجي سوروفيكين.

وبالنسبة لواشنطن، فقد شكّل هذا النموذج دليلًا على أن إسقاط الأنظمة دون خطط انتقالية محكمة يفتح الباب أمام نفوذ الخصوم بدل تعزيز الاستقرار. رغم وجود شخصيات معارضة بارزة مثل رضا بهلوي، لم تُبدِ إدارة ترامب استعدادًا فعليًا لدعم مسار تغيير سياسي داخلي، مع تمسك مركز القرار بمقاربة التفاوض والاحتواء.

السياسة الجديدة: من إسقاط الأنظمة إلى إدارة الخصوم

بشكل عام، تكشف هذه المقاربة الأمريكية الجديدة عن انتقالٍ واضح من سياسة إسقاط الأنظمة المعادية إلى سياسة إدارة الخصوم واحتواء نفوذهم، حتى وإن جاء ذلك على حساب ملفات حقوق الإنسان، أو التوسع الإقليمي، أو الطموحات النووية طويلة المدى. غير أن هذا الخيار، رغم خفضه لمخاطر الحرب المباشرة، ربما يحمل في طياته ثمنًا استراتيجيًا يتمثل في:

  • ترسيخ النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.
  • إضعاف الردع الأمريكي التقليدي.
  • إبقاء إيران على مسافة قصيرة من العتبة النووية.

بعبارة أخرى، فإن واشنطن لم تعد ترى في تغيير النظام الإيراني حلًا، بل خطرًا يفوق بآثاره استمرار النظام نفسه، وهي سياسة تقوم على "الاحتواء المُرهِق" بدل "الصدام المكلف"، لكنها قد تؤسس لاختلال توازن طويل الأمد في الإقليم.

سيناريوهات مستقبلية محتملة

في ضوء التحول الأميركي، يبدو أن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران يتجه نحو مسار يقوم على إدارة التوتر بدل حسمه. السيناريو الأرجح على المدى القريب هو التوصل إلى تفاهم سياسي محدود يركّز على الملف النووي دون التطرق الجاد إلى برنامج الصواريخ أو الدور الإقليمي لطهران.

ومن شأن هذا الاتفاق، في حال تحققه، أن يؤدي إلى تهدئة مؤقتة لكنه سيبقى هشًا، خصوصًا في ظل ضعف آليات الرقابة الدولية التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يمنح إيران هامشًا واسعًا للمناورة وتعزيز قدراتها الاستراتيجية تدريجيًا. ويكمن الخطر الأساسي في هذا السيناريو في تكريس نفوذ إيراني متصاعد مقابل تراجع فعالية الردع الأميركي.

مخاطر الردع التصاعدي

في إطار سياسات الردع التصاعدي التي يمارسها الرئيس الأمريكي، يمكن إدراج التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة بوصفها أداة ضغط محسوبة تهدف إلى منع طهران من تجاوز الخطوط الحمراء. فقيام الولايات المتحدة بنقل سفينة حربية متقدمة إلى الشرق الأوسط لا يعكس استعدادًا فوريًا للمواجهة، بقدر ما يشكّل رسالة استراتيجية مفادها أن أي تصعيد إيراني سيقابل بردّ أسرع وأوسع نطاقًا.

غير أن الردع التصاعدي، رُغم فعاليته في كبح الانفجارات السريعة، يحمل في طياته مخاطر كامنة، أبرزها زيادة كثافة الاحتكاك العسكري في مسارح عمليات حساسة، ما يرفع احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود. وبالتالي، فإن التحركات العسكرية الأميركية، وإن كانت تهدف إلى منع الحرب، قد تسهم في زيادة هشاشة البيئة الاستراتيجية إذا لم تُقرن بمسار سياسي واضح لتخفيف التوترات.

الخلاصة: استقرار مؤقت لا مستدام

الخلاصة أن الردع التصاعدي الأميركي في الشرق الأوسط ينجح حتى الآن في تأجيل الانفجار الكبير، لكنه لا يعالج جذور الصراع، بل يديره عبر موازنة دقيقة بين القوة والاحتواء، وهي معادلة قابلة للاختلال في أي لحظة تحت وطأة خطأ حسابي أو تصعيد مفاجئ، ما يجعل الاستقرار الإقليمي مؤقتًا بطبيعته لا مستدامًا.