إلهامي المليجي يكتب: "من النيل إلى الفرات".. حين يُستدعى اللاهوت لإعادة تعريف السيادة
ليست الخطورة في جملة قالها سفير أمريكي في تل أبيب، ثم حاول التراجع عنها لاحقًا.. الخطورة في البنية السياسية والثقافية التي تسمح بأن تُقال مثل هذه العبارات، وتحولها إلى نقاش مفتوح على المستوى الدولي.
تصريحات السفير الأمريكي وموجة الإدانات العربية
في مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، دافع السفير الأمريكي لدى تل أبيب مايك هاكابي عن قراءة توراتية لحدود "إسرائيل" الممتدة من النيل إلى الفرات، قبل أن يعود ويخفف من وقع العبارة. غير أن ما قيل قيل، وتحول فورًا إلى موجة إدانة عربية وإسلامية واسعة، مما يسلط الضوء على حساسية هذا الملف في الوعي الجماعي للمنطقة.
غير أن الفارق الحاسم لا يكمن في مضمون العبارة وحده، بل في موقع من نطق بها. فالسفير الأمريكي ليس محللًا يمينيًا أو خطيبًا دينيًا؛ هو تمثيل رسمي لسياسة دولة كبرى في لحظة معينة.. وأي كلمة تصدر عنه تُقرأ واقعيًا كمؤشر على مناخ داخل واشنطن، حتى وإن لم تتحول إلى قرار تنفيذي مباشر. السؤال إذن ليس: هل ستتحرك الحدود غدًا؟.. بل: لماذا يُعاد اختبار قابليتها للنقاش اليوم؟
الصهيونية بوصفها مشروعًا إحلاليًا واستيطانيًا
من الخطأ التعامل مع شعار "النيل إلى الفرات" كفانتازيا دينية معزولة عن الواقع السياسي. فالمشروع الصهيوني، في بنيته العميقة، لم يُقدَّم يومًا باعتباره دولة تبحث عن أمان داخل حدود مستقرة، بل باعتباره مشروعًا استيطانيًا يعيد تعريف مفهوم الأمن ذاته.
المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري قدّم قراءة تحليلية للصهيونية بوصفها حركة استعمار استيطاني إحلالي، تؤدي وظيفة ضمن منظومة إمبراطورية أوسع. في هذا التصور، لا تُنظر إلى الحدود باعتبارها نهاية جغرافية، بل باعتبارها مرحلة ضمن مسار توسيع المجال الحيوي وضبط البيئة المحيطة.
بهذا المعنى، لا يكون شعار "النيل إلى الفرات" خطة غزو مباشر، بل صياغة رمزية لعقيدة ترى الإقليم بأكمله مجالًا قابلًا لإعادة التشكيل وفق مقتضيات التفوق. إنها ليست خريطة عسكرية بقدر ما هي رؤية مجال تستهدف إعادة رسم الخرائط السياسية والنفسية للمنطقة.
إعادة تشكيل الجغرافيا وتفكيك مراكز الثقل
المفكر الجغرافي جمال حمدان كان يحذر من أن أخطر ما يمكن أن يصيب المنطقة ليس الاحتلال المباشر، بل إعادة تشكيل الجغرافيا سياسيًا بما يفكك مراكز الثقل ويحوّل البيئة المحيطة إلى فضاء قابل للضبط.
في قراءته الاستراتيجية، لم يكن التفوق الإسرائيلي مجرد تفوق عسكري، بل بنية قائمة على تفكيك المجال العربي ومنع تبلور قوة إقليمية موازنة. ومن لا يملك مشروعه الجغرافي، يُعاد رسمه داخل مشروع غيره.
من هذه الزاوية، لا يبدو الشعار حلمًا أسطوريًا، بل تعبيرًا مكثفًا عن رؤية تعتبر الجغرافيا العربية مجالًا مفتوحًا لإعادة الضبط، لا فضاءً سياديًا مكتملًا، مما يهدد أسس السيادة الوطنية للدول العربية.
السياق الإقليمي: أزمات مترابطة وليست منفصلة
ما شهدته المنطقة خلال العقدين الماضيين لا يمكن قراءته كسلسلة أزمات منفصلة. دول تُنهك، مجتمعات تُستنزف، جيوش تُستدرج إلى صراعات طويلة، وساحات تتحول إلى نزاعات ممتدة.
ليست المسألة إسقاط دول فحسب، بل إعادة تركيبها بحيث تتحرك داخل هوامش محددة سلفًا. الهزيمة هنا ليست عسكرية دائمًا، بل بنيوية تؤثر على القدرة على صنع القرار المستقل.
ضمن هذا السياق، يصبح شعار "إسرائيل الكبرى" سقفًا رمزيًا يشرعن إدارة الإقليم من موقع الهيمنة، حتى دون تحريك دبابة واحدة عبر الحدود، من خلال آليات مثل:
- تفكيك مراكز الثقل العربية أو إنهاكها عبر صراعات داخلية وخارجية.
- نقل الصراع من عربي–صهيوني إلى صراعات عربية–عربية تضعف التضامن الإقليمي.
- تحويل فلسطين من قضية تحرر إلى ملف أمني–إنساني منزوع الأفق السياسي.
- تسويق التطبيع بوصفه استقرارًا، بينما هو إعادة إدماج الكيان الصهيوني كقلب أمني–تكنولوجي للمنطقة.
لا يحتاج المشروع، وفق هذا المنظور، إلى ضم القاهرة أو الرياض أو بغداد. يكفي أن تتحرك هذه العواصم تحت ضغط خطوطه الحمراء، وأن يمتلك فعليًا قدرة "الفيتو" الأمني متى شاء، مما يعيد تعريف مفهوم السيادة بشكل عملي.
واشنطن بين اللاهوت والبراغماتية السياسية
هل تتبنى الولايات المتحدة رسميًا مشروع "من النيل إلى الفرات"؟.. غالبًا لا بالصيغة التنفيذية المباشرة.. لكن داخل السياسة الأمريكية تيار نافذ، خاصة في اليمين الإنجيلي، يمنح المشروع الصهيوني غطاءً عقائديًا يتجاوز القانون الدولي، ويراه تعبيرًا عن قدر تاريخي.
حين تتغطى السياسة باللاهوت، تصبح أقل قابلية للضبط. لا يعود التوسع جريمة، بل "استعادة وعد". ولا يعود القانون مرجعية، بل تأويل نص.. التاريخ يعلمنا أن المشاريع الكبرى لا تُعلن دفعة واحدة. تُختبر أولًا كأفكار، ثم تتحول إلى أرضيات نقاش، ثم إلى وقائع جزئية تتراكم حتى تعيد تشكيل الخريطة بشكل تدريجي.
من الإدانة إلى هندسة توازن إقليمي فاعل
الإدانات العربية كانت ضرورية وسريعة، لكنها ليست كافية. المشروع الذي يتغذى على الفراغ السياسي والاستراتيجي لا يردعه بيان أو تصريح إعلامي.
المطلوب ليس تصعيدًا خطابيًا، بل هندسة توازن تقوم على:
- إعادة تعريف الأمن القومي العربي بوصفه أمنًا جماعيًا لا ملفات متفرقة تضعف التضامن.
- بناء شبكات ردع سياسية واقتصادية وتقنية تُقيّد التفوق بدل التعايش معه كأمر واقع.
- تنويع الشراكات الدولية لمنع احتكار إدارة الإقليم من قبل قوى خارجية.
- إعادة الاعتبار لفلسطين بوصفها اختبارًا مركزيًا للتوازن، لا ملفًا إنسانيًا مؤجلًا أو ثانويًا.
فالفراغ هو البيئة المثلى لأي مشروع توسعي، والتفوق غير المكبوح يتحول من ردع إلى هيمنة تفرض شروطها على الجميع.
الخاتمة: اختبار للخرائط وليس مجرد عبارة عابرة
الحديث عن "النيل إلى الفرات" ليس زلة لسان، ولا اجتهادًا لاهوتيًا عابرًا، ولا حتى سقفًا تفاوضيًا مرتفعًا يمكن تخفيضه لاحقًا.. إنه اختبار لمدى استعداد الإقليم لقبول فكرة أن خرائطه قابلة لإعادة التعريف وفق رؤى خارجية.
التحذير قديم: أخطر ما يهدد المنطقة ليس احتلال الأرض، بل انتزاع معناها السياسي من أصحابها. والدولة الوظيفية لا تتوقف عند حدودها، بل تسعى إلى إعادة تشكيل محيطها بما يضمن استمرار تفوقها.
اليوم، لا تُطرح الدبابات على الطاولة، بل تُطرح الفكرة.. ولا يُعلن ضم رسمي، بل يُختبر المناخ الذهني والسياسي لقبول إعادة الرسم.
السؤال لم يعد: هل ستتحرك الحدود غدًا؟
السؤال: من يملك شجاعة إعلان أن الحدود ليست بندًا تفاوضيًا أصلًا، بل خطًا أحمرًا لا يقبل المراجعة؟
فالخرائط لا تبدأ بالجيوش.. تبدأ بقبول فكرة أنها قابلة للمراجعة.. وحين تُراجع الفكرة… تصبح الأرض مسألة وقت فقط، وهذا ما يجب أن يكون في صلب الاستراتيجيات العربية المستقبلية.



