في ذكرى رحيله: الشيخ محمد الخضر حسين.. الجزائري الذي قاد الأزهر
في مثل هذا اليوم، الثامن والعشرين من فبراير، تحل ذكرى رحيل الشيخ محمد الخضر حسين، الشخصية البارزة التي تركت أثراً عميقاً في تاريخ الأزهر الشريف. ولد الشيخ في تونس عام 1876، وتلقى تعليمه في جامع الزيتونة على يد كبار المشايخ، حيث حصل على شهادة العالمية، ليشق طريقه نحو مصر هرباً من ملاحقة الفرنسيين بسبب مقاومته للاستعمار في تونس والجزائر.
بداياته في تونس ومقاومة الاستعمار
بدأ الشيخ محمد الخضر حسين مشواره المهني كقاضٍ في مدينة بنزرت التونسية، حيث كان يخطب في جامعها ويعمل مدرساً في معهد الزيتونة. بفضل شغفه بالشعر، نظم قصائد عديدة للتنديد بالاستعمار الفرنسي، ونشرها في مجلته "السعادة العظمى"، مما أدى إلى محاكمته غيابياً والحكم عليه بالإعدام. هذا التهديد دفعه إلى مغادرة تونس واللجوء إلى مصر، حيث انخرط في العمل الصحافي والتدريس في جامعة الأزهر، وحصل لاحقاً على الجنسية المصرية.
مسيرته في مصر وتوليه مشيخة الأزهر
في مصر، عُين الشيخ مصححاً في دار الكتب المصرية، وأسس خلال هذه الفترة جمعية الهداية الإسلامية وجمعية تعاون جاليات شمال أفريقيا. كما اشتهر بمواقفه الفكرية، حيث هاجم الشيخ علي عبد الرازق بسبب كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، والدكتور طه حسين بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي"، مفنداً آرائهما واتهم طه حسين باقتباس أفكار أساتذته. تولى بعدها رئاسة تحرير مجلة الأزهر، وانضم إلى عضوية هيئة كبار العلماء.
بعد قيام ثورة يوليو، اختار مجلس قيادة الثورة الشيخ محمد الخضر حسين لتولي مشيخة الأزهر، حيث حضر إليه فتحي رضوان والشيخ الباقوري لإبلاغه باختيار اللواء محمد نجيب له. كان هذا الاختيار مفاجأة للجميع، كونه أول شيخ غير مصري للأزهر، مما يعكس ثقة القيادة في قدراته وإسهاماته.
استقالته وإرثه الفكري
لم يستمر الشيخ طويلاً في منصبه، حيث استمر عامين فقط. في حادثة مشهورة، استدعاه اللواء محمد نجيب إلى مكتبه لأمر هام، لكن الشيخ الخضر حسين رفض الانتقال، قائلاً عبر رسول: "قل لسيادة الرئيس إن شيخ الأزهر لا ينتقل للحاكم". كتب بعدها استقالته، تاركاً المشيخة للشيخ عبد الرحمن تاج.
خلال توليه رئاسة تحرير مجلة الأزهر، كتب الشيخ مقالاً بمناسبة شهر رمضان، أكد فيه على أهمية هذا الشهر كزمن نزول القرآن ورمز للفتوحات الإسلامية. كما ناقش دور الصيام في إصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق، مستشهداً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد على فضائل الإنفاق والعبادة في هذا الشهر.
رحل الشيخ محمد الخضر حسين في 28 فبراير 1958، تاركاً وراءه إرثاً غنياً من المقاومة والعلم، يذكرنا بدوره كرمز للوحدة الإسلامية والتحدي في وجه الاستعمار.
