إلهامي الميرغني: حكومة مدبولي أهدرت فرص الاقتصاد وضاعفت أزمات الفقراء
إلهامي الميرغني: حكومة مدبولي أهدرت فرص الاقتصاد

إلهامي الميرغني يكتب: حكومة مدبولي أهدرت عشرات الفرص أمام الاقتصاد وضاعفت أزمات الفقراء

تولى الدكتور مصطفى مدبولي حقيبة الإسكان في وزارة إبراهيم محلب عام 2014، واستمر في وزارة شريف إسماعيل، ثم تولى أعمال رئيس الوزراء خلال مرض الدكتور شريف إسماعيل، قبل أن يتم تكليفه بالوزارة في 14 يونيو 2018. وعلى مدى السنوات الماضية، يطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا فعل الدكتور مدبولي بمصر والمصريين؟

أولاً: ماذا فعل بالاقتصاد المصري؟

سأركز على أكبر أربع نقاط في توجهات وانحيازات حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، وهي:

  1. الديون: تولى رئاسة الوزراء والديون المحلية بلغت 3471 مليار جنيه في 2018، وبفضل سياسته وتوجهاته وصلت إلى 8727 مليار جنيه في 30/6/2024. أما الديون الخارجية فكانت 92.6 مليار دولار ووصلت إلى 161.2 مليار دولار خلال سنوات إدارته. عام 2018 كانت فوائد القروض تبلغ 380.9 مليار جنيه وتمثل 31% من مصروفات الموازنة و9% من الناتج المحلي الإجمالي، وخلال سنوات أصبحت 2298 مليار جنيه في 2025/2026 تمثل 50% من مصروفات الموازنة و11% من الناتج المحلي الإجمالي.
  2. عجز الموازنة العامة للدولة: عندما تولى الوزارة كان العجز في الموازنة 370 مليار جنيه في موازنة 2017/2018 ووصلت إلى 1491 مليار جنيه في موازنة 2025/2026.
  3. سعر صرف الجنيه مقابل الدولار: كان سعر صرف الدولار 17.7 جنيه ووصل خلال هذه السنوات إلى 47.5 جنيه.
  4. استمرار الخصخصة: استمرت سياسات الخصخصة وبيع الأصول، فتم بيع الحديد والصلب والكوك وبيع حصص كبرى في أبوقير للأسمدة وموبكو للأسمدة والشرقية للدخان وإسكندرية لتداول الحاويات والفنادق التاريخية. ولكن لم تتوقف سياسات البيع عند هذا الحد، فامتدت إلى الموانئ والمطارات وبيع الأراضي من رأس الحكمة إلى رأس شقير، وفقدت مصر أحد مصادر ثروتها تحت ستار مبادلة الديون، وارتفعت أسعار الأسمدة لتكوي الفلاحين وترفع تكلفة الزراعة، إضافة إلى ارتفاع أسعار السجائر والدخان وتحويل المليارات التي كانت تدخل الخزانة المصرية إلى دول الخليج المالك الجديد لهذه الأصول.

كما استمر عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وشهدت مصر أزمات متوالية في توفير السلع الأساسية المستوردة ومستلزمات الإنتاج. هذه نماذج للتوجهات الاقتصادية لحكومة مدبولي.

ثانياً: أثر سياسات الحكومة على المواطن المصري

إذا تتبعنا سياسات حكومة الدكتور مدبولي وأثرها على المواطن المصري، نجد الآتي:

  • معدل التضخم كان في حدود 11% سنة 2018 ووصل إلى 40% عام 2023 ثم انخفض إلى 12% في 2025. وتم تخفيض وزن رغيف العيش ورفع أسعاره مع تثبيت حصة دعم الفرد في البطاقات التموينية عند 50 جنيه شهرياً منذ 2018 وحتى الآن رغم موجات التضخم المرتبطة بسعر الصرف ومعدلات التضخم.
  • ارتفع سعر لتر البنزين 80 من 5.5 جنيه في يونيو 2018 إلى 17.75 في أكتوبر 2025، وارتفع السولار بنفس المعدلات، كما ارتفع المازوت من 2100 جنيه للطن إلى 10500 جنيه للطن، وانبوبة البوتاجاز من 50 جنيه إلى 225 جنيه.
  • ارتفع معدل الفقر من 32.5% في 2017/2018 إلى أكثر من 35% في 2024، وازدادت مؤشرات الجوع الخاصة بالأنيميا وسوء التغذية والتقزم والسمنة المفرطة.
  • انخفضت نسب الاكتفاء الذاتي في الغذاء من القمح والذرة والأرز والفول والعدس وقصب السكر واللحوم الحمراء، وتتأثر الكميات والأسعار العالمية من هذه المواد إضافة إلى تغيرات سعر الصرف والأسعار العالمية.

ثالثاً: تأثير السياسات على التعليم والصحة

لم تلتزم الحكومة بتخصيص 7% من الناتج المحلي للتعليم والبحث العلمي طبقاً للدستور، وبدأت تغيرات في الأنظمة التعليمية والمناهج وإلغاء مواد دراسية، ووصل العجز إلى 250 ألف فصل دراسي و650 ألف معلم ومعلمة وفقاً لتصريحات وزير التعليم. تم التوسع في التعليم الخاص إضافة إلى رفع رسوم التسجيل في المدارس الحكومية والتي تجاوزت أسعار المدارس التجريبية منذ سنوات، بحيث أصبحت تشكل قيداً على استمرار الملايين في التعليم، واستحداث أنظمة تعليمية جديدة مثل مدارس ستيم والنيل الدولية وغيرها والتي وصلت الرسوم بها إلى ما يقارب مدارس القطاع الخاص.

ارتفعت أسعار المدارس الخاصة والدولية بحيث أصبح تعليم موجه إلى طبقة محددة مع عدم قدرة الأسر الفقيرة على تعليم أبنائها وبناتها، ولم تنقذ معاشات تكافل ملايين الأطفال الفقراء على الاستمرار في التعليم وهي تتراوح بين 60 جنيه و100 جنيه. تم تغيير قانون التعليم عدة مرات، وأخيراً تم استحداث نظام البكالوريا دون إجراء حوار اجتماعي قبل العبث بالأنظمة التعليمية.

أما على صعيد الصحة، فقد انخفض عدد المستشفيات الحكومية وعدد الأسرة وازدادت قوائم الانتظار رغم كل مبادرات تقليل وتخفيض هذه القوائم. وتجاوز العجز في عدد الأطباء والتمريض أكثر من 35%. وازدادت المعاناة في البحث عن الأدوية التي أصبحت تؤرق كل مريض وأسرته في ظل انفلات السوق وانعدام الرقابة. وفرضت رسوم على العشرات من الخدمات الصحية بما يحول بين حصول ملايين المصريين على خدمة صحية مجانية وذات جودة.

وأصبح المريض المصري إما خاضع لسلخانات القطاع الخاص المنفلتة أو غياب وسوء الخدمة في المستشفيات العامة. وخلال أزمة كورونا عجزت الحكومة على فرض تسعيرة ملزمة على القطاع الخاص والاستثماري لعمل مسحات الكورونا أو تكلفة غرف الرعاية المركزة، ولو تماسك البقية الباقية من المستشفيات العامة لتضاعفت أعداد وفيات كورونا.

رابعاً: قوانين مثيرة للجدل

تم تتويج ذلك بصدور قانون تأجير المستشفيات العامة الحكومية للقطاع الخاص، وشاهد المهتمين معاناة مرضى الأورام في مستشفى دار السلام (هرمل) التي تم تأجيرها لشركة فرنسية، وسمح القانون للمستثمر بالاحتفاظ ب 25% فقط من العمالة والاستغناء عن 75%. وامتد التأجير لعدد من المستشفيات الحكومية منها مستشفى العجوزة ومبرة المعادي.

كما قامت حكومة مدبولي بإصدار القانون 164 لسنة 2025 والذي كان المفترض منه زيادة القيمة الإيجارية لتعويض الملاك، ولكنه لم يكتف بذلك بل قام بتحرير العلاقة الإيجارية والعصف بحكم سابق للمحكمة الدستورية العليا يقضي بامتداد العقود إلى الجيل الأول من الورثة، ليتم تحرير العلاقة الإيجارية في المحلات التجارية والإدارية بعد خمس سنوات وفي السكن بعد 7 سنوات. وبذلك أصبح مستقبل أكثر من 3 مليون أسرة معلق على انتهاء فترة التعاقد التي حددها القانون لتحرير العقود. ولنتأمل نتائج هذه السياسة على الإيجارات الزراعية وزيادة الأعباء على الفلاحين ورفع تكلفة الزراعة المصرية.

خاتمة: انحيازات واضحة

لذلك فإن توجهات وانحيازات حكومة الدكتور مصطفى مدبولي وعلى مدى عقد كامل أصبحت واضحة في انحيازاتها للمستثمر الأجنبي والملاك ورجال الأعمال على حساب الطبقة الوسطى والفقراء. وهو ما يتضح في كل التشريعات التي صدرت خلال وجود هذه الحكومة وحجم الأعباء الاقتصادية والمالية التي نقلت للكادحين ومحدودي الدخل.

لقد أضاعت حكومة مدبولي عشرات الفرص أمام الاقتصاد المصري والمستثمر المصري وعمقت التبعية للخارج كدول وشركات وفرطت في قوة مصر الاقتصادية من شركات وأراضي مميزة وحملت أعباء الأزمة على كاهل الكادحين ومحدودي الدخل، وتهاوت الطبقة الوسطى إلى خط الفقر وأصبحت تكافح لاستمرار توفير الاحتياجات الأساسية. لذلك فإن التجديد لحكومة مصطفى مدبولي هو موافقة على استمرار نفس السياسات ونفس الانحيازات والمزيد من الفقر والحرمان.