سنوات الفرص الضائعة في مصر: قراءة شاملة للتراجع الداخلي والخارجي
عندما تسلم الدكتور مصطفى مدبولي رئاسة مجلس الوزراء في يونيو 2018، كان الأمل معقودًا على مرحلة جديدة وإصلاح شامل. لكن بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على حكومته، وعقد كامل على المتغيرات الكبرى منذ 2013، يبدو المشهد المصري وكأنه يعيش في دائرة مغلقة. فبدلًا من أن تكون هذه السنوات محطة للانطلاق نحو تحديث سياسي واقتصادي حقيقي واستعادة الريادة الإقليمية، تحولت إلى ما يمكن وصفه بـ"سنوات الفرص الضائعة".
تراجعت المؤشرات الديمقراطية بشكل ملحوظ، واتسعت فجوة الفقر، وانهار النظام التعليمي، بينما تراكمت الديون الخارجية لتصل إلى مستويات قياسية تبلغ 161.2 مليار دولار، مما يهدد بتوريط الأجيال القادمة. هذا المقال لا يسعى إلى التثبيط، بل إلى قراءة واقعية للواقع الذي تعيشه مصر على كل الأصعدة، راجيًا أن يكون التشخيص الصحيح هو الخطوة الأولى نحو الخروج من هذا النفق.
أولًا: الحياة السياسية والتمثيل النيابي.. وهم المشاركة
بين طموحات عريضة رسمتها تحولات كبرى، وواقع معقد تفرض فيه الأرقام والسياسات كلمتها، تبرز قصة الفرص الضائعة في مصر. خلال العقد الأخير بالذات، وتحديدًا في ظل حكومة مدبولي، شهدت الحياة السياسية تراجعًا غير مسبوق في فكرة التمثيل الحقيقي.
لقد تحول البرلمان في دورتيه (2015 و2020) إلى ما يشبه "شركة للتصديق على القرارات" تابعة للسلطة التنفيذية، أكثر من كونه سلطة تشريعية رقابية. نسبة كبيرة من النواب وصلت على أساس الارتباط بما أطلق عليها أحزاب الموالاة، والانتماءات الفردية، اعتمادًا على المال السياسي، وليس على أساس البرامج الحزبية.
أما الأحزاب المصرية فقد تحولت إلى حالة الموت السريري. فمعظم الأحزاب الموجودة على الساحة إما أنها "أحزاب كرتونية"، أو أنها أحزاب معارضة محاصرة وممنوعة عن التواصل مع الجماهير. أضف إلى ذلك قانون مجلس النواب الذي وضع عتبة انتخابية معقدة، وجعل من المستحيل على الأحزاب الصغيرة تمثيل قواعدها الشعبية.
ثانيًا: الفقر والغلاء.. المواطن يدفع الثمن
إذا كانت هناك جبهة أساسية فشلت فيها الحكومة بشكل واضح وصريح، فهي الجبهة الاقتصادية الاجتماعية. في ظل حكومة الدكتور مدبولي، تحول الحديث عن "الإصلاح الاقتصادي" إلى كابوس يومي للمصريين.
الأرقام لا تكذب، فوفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قفزت نسبة الفقر في مصر إلى مستويات قياسية اقتربت من 30% قبل جائحة كورونا، وتفاقمت بعدها. لكن الأهم من الرقم هو "الإحساس بالفقر". المواطن العادي يشعر يوميًا بأن قوت يومه أصبح بعيد المنال!
الحكومة تعلن أرقام تضخم، لكن المواطن في الأسواق يرى أسعار السلع الأساسية وقد تضاعفت أربعة أو خمسة أضعاف خلال السنوات الخمس الماضية. قرارات تحرير سعر الصرف، ورفع الدعم تدريجيًا عن المحروقات والكهرباء والسلع التموينية والأدوية، أدت إلى موجة غلاء طالت كل شيء.
ثالثًا: انهيار التعليم.. قنبلة موقوتة
ربما يكون ملف التعليم هو أخطر الملفات على الإطلاق، لأنه يتعلق بمستقبل مصر ذاتها. في عهد حكومة مدبولي، شهدنا حالة من "التخبط" المزمن في تطوير التعليم.
ورغم أن الوزارة أطلقت نظامًا تعليميًا جديدًا يعتمد على التكنولوجيا والكتب الإلكترونية وأجهزة التابلت، لكن الواقع على الأرض كان مختلفًا تمامًا. مدارس بلا بنية تحتية، وفصول تعاني من كثافة طلابية، ومعلمون يعملون بأجور لا تكفيهم حتى شراء "شريحة الإنترنت".
بدلًا من التعليم المجاني المعقول الذي كان مكفولًا لكل المواطنين، تحولت الدروس الخصوصية إلى "اقتصاد مواز" يدير ميزانية الأسر المصرية. هذا يعني أن فرصة التعليم الجيد أصبحت حكرًا على أبناء القادرين، بينما أبناء الفقراء محكوم عليهم بالخروج من المدرسة دون مهارات حقيقية.
رابعًا: تراجع المكانة وتهميش الدور المصري في المنطقة
لكن الضياع لم يقتصر على الداخل فقط، بل امتد ليطال المكانة التاريخية لمصر في محيطها الإقليمي. فمصر التي كانت لسنوات طويلة "قلب العروبة النابض" وصاحبة الثقل الأكبر في القرارين العربي والأفريقي، وجدت نفسها خلال العقد الأخير تتراجع تدريجيًا عن أدوارها المحورية.
خامسًا: وطأة الدين الخارجي.. رهن المستقبل
وفوق كل ما تقدّم، يبقى أن الملف الأكثر إثارة للقلق هو التفاقم الهائل للدين الخارجي المصري، الذي وصل إلى 161.2 مليار دولار، وللدين الداخلي البالغ أكثر من 11 تريليون جنيه. هذا الرقم ليس مجرد خانة في ميزانية الدولة، بل هو حبل خانق يُلف حول عنق الأجيال القادمة.
تراكم هذا الدين نتيجة سياسة الاقتراض الخارجي لتمويل العجز في الميزانية ودعم الاحتياطي النقدي وتنفيذ المشروعات العملاقة. جزء كبير من هذه الديون مقوم بالدولار أو العملات الصعبة الأخرى، مما يجعل سدادها مرهونًا بتوفر النقد الأجنبي الذي يعاني الاقتصاد المصري من شح فيه أساسًا.
الخلاصة: نحو مراجعة نقدية شجاعة
"سنوات الفرص الضائعة" هي سنوات لن تعود. ما فات من عمر الوطن لن يعوض. لقد ضاعت فرصة بناء نظام سياسي حقيقي يشرك المواطن، وضاعت فرصة تحقيق عدالة اجتماعية، وضاعت فرصة استثمار طاقات الشباب في تعليم حقيقي، وتراكمت ديون تثقل كاهل المستقبل.
لكن المأساة الحقيقية هي أننا مازلنا نسير في الاتجاه نفسه. ما لم يحدث تغيير جذري في فلسفة الحكم، بحيث تصبح "كرامة المواطن" و"مشاركته" و"عدالة التوزيع" واستعادة "الاستقلالية في القرار" هي أولويات الحكم، فإن العقد القادم سيكون أكثر قسوة.
مصر تستحق أفضل مما هي فيه. ولن يأتي الأفضل إلا بمراجعة نقدية شجاعة لهذه السنوات العجاف، والاعتراف بأن هناك فرصًا ثمينة ضاعت، وأن المستقبل لا يزال بخير إن أدركناه قبل فوات الأوان.
