محمود الغول الشاه.. الحليف الذي خدم إسرائيل في الظل: تاريخ التحالفات الخفية بين إيران وإسرائيل
ما أشبه الليلة بالبارحة.. كلما تابعنا النقاشات التي تتردد في بعض الدوائر السياسية والإعلامية عن مستقبل إيران، وعن احتمال عودة العهد البهلوي في صورة وريثه رضا بهلوي، يتبادر إلى الذهن تاريخ طويل من العلاقات الخفية التي جمعت بين نظام الشاه الراحل محمد رضا بهلوي وإسرائيل. هذا التاريخ كان نموذجاً صارخاً لكيف يمكن للمصالح الأمنية والاستراتيجية أن تنسج تحالفات بعيدة عن أعين الشعوب، وأن تدار دول بأكملها وفق معادلات لا يعلم عنها الناس شيئاً إلا بعد سنوات طويلة.
نشأة العلاقة في سياق دولي معقد
حين نعيد النظر في تلك المرحلة، نجد أن العلاقة بين طهران وتل أبيب لم تكن وليدة صدفة، بل نشأت في سياق دولي معقد بدأ بعد الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1953. ذلك الانقلاب أعاد الشاه إلى السلطة ورسخ موقع إيران في المعسكر الغربي، لكنه فتح في الوقت ذاته الباب أمام شراكات سرية لم يكن الرأي العام الإيراني طرفاً فيها. ومن بين تلك الشراكات برزت العلاقة مع إسرائيل، التي كانت تبحث عن كسر عزلتها في الشرق الأوسط عبر بناء تحالفات مع دول غير عربية، ضمن ما عرف آنذاك بعقيدة المحيط التي صاغها بن جوريون.
المصالح المشتركة والتعاون الواسع
في تلك المعادلة، كانت المصالح واضحة للطرفين. إسرائيل كانت بحاجة إلى حليف إقليمي قوي وإلى مصدر طاقة مستقر، بينما كان الشاه يبحث عن التكنولوجيا العسكرية المتقدمة وعن دعم سياسي وأمني يعزز موقعه في مواجهة خصومه في الداخل والخارج. وهكذا نشأت شبكة تعاون واسعة امتدت من الاقتصاد إلى الأمن والاستخبارات. النفط الإيراني أصبح شرياناً مهماً لاقتصاد إسرائيل، خصوصاً بعد إنشاء خط أنابيب إيلات–عسقلان في أواخر الستينيات، وهو مشروع جرى بعيداً عن الأضواء وبشراكة كاملة بين الطرفين، حتى إن الشركات التي أدارت المشروع سجلت في ملاذات ضريبية لضمان السرية التامة.
التعاون العسكري والأمني المتقدم
لم يتوقف الأمر عند حدود الاقتصاد، فقد تطورت العلاقة إلى تعاون عسكري متقدم، شمل صفقات سلاح ومشاريع مشتركة لتطوير منظومات صاروخية. وفي أواخر السبعينيات ظهرت مشاريع سرية مثل مشروع زهرة، الذي كان يهدف إلى تطوير صواريخ بعيدة المدى بتمويل إيراني وتكنولوجيا إسرائيلية. كان الشاه يحلم بأن يحول بلاده إلى قوة عسكرية مهيمنة في المنطقة، بينما كانت إسرائيل تستفيد من التمويل الضخم لتطوير صناعاتها الدفاعية وتعزيز تفوقها العسكري.
التعاون الأمني وأدوات السيطرة الداخلية
غير أن الجانب الأكثر حساسية في ذلك التحالف كان التعاون الأمني، فقد تأسس جهاز السافاك، جهاز المخابرات الإيراني الشهير، بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتلقى ضباطه تدريبات مكثفة على أساليب المراقبة والتحقيق ومكافحة التنظيمات السرية. ومع مرور الوقت تحول السافاك إلى واحد من أكثر الأجهزة الأمنية إثارة للجدل في القرن العشرين، بسبب الأساليب القاسية التي استخدمها في مواجهة المعارضين السياسيين. وهنا يظهر بوضوح كيف يمكن للتحالفات الأمنية أن تتحول إلى أدوات للسيطرة الداخلية، وأن تبنى منظومات القمع أحياناً بمساعدة حلفاء خارجيين.
امتداد التعاون إلى خارج الحدود
كما امتد التعاون بين الطرفين إلى خارج حدود إيران، فقد سمح الشاه للأجهزة الإسرائيلية باستخدام الأراضي الإيرانية منصة لعمليات استخباراتية في المنطقة. وشهدت تلك المرحلة تنسيقاً في ملفات إقليمية حساسة، من بينها دعم التمرد الكردي في شمال العراق بقيادة مصطفى برزاني. في تلك اللحظة التاريخية، بدا أن التحالف بين طهران وتل أبيب جزء من خريطة جيوسياسية أوسع، تقوم على توازنات معقدة تتجاوز الشعارات الأيديولوجية.
انهيار التحالف ودروس التاريخ
لكن التاريخ علمنا أن التحالفات التي تبنى في الظل قد تتحول في لحظة ما إلى عبء ثقيل على أصحابها. فمع تصاعد السخط الشعبي في إيران في أواخر السبعينيات، أصبحت علاقات الشاه مع إسرائيل والغرب أحد رموز التبعية في نظر قطاعات واسعة من الإيرانيين. وعندما اندلعت الثورة عام 1979 بقيادة الخوميني، انهار النظام البهلوي بسرعة مذهلة، وانكشف جزء كبير من تلك العلاقات السرية عبر الوثائق التي ظهرت لاحقاً.
استحضار التاريخ للنقاشات الحالية
ما يدفعنا إلى استحضار هذه الصفحة من التاريخ اليوم ليس مجرد الحنين إلى الماضي أو الرغبة في نبش أرشيف قديم، بل الإحساس بأن بعض النقاشات الدائرة حول مستقبل إيران تعيد طرح الأسئلة نفسها التي عرفتها المنطقة قبل نصف قرن. حين يطرح اسم رضا بهلوي بوصفه احتمالاً سياسياً في إيران ما بعد النظام الحالي، يتذكر كثيرون تلقائياً شبكة العلاقات القديمة التي ربطت نظام والده بإسرائيل والغرب. لا ندري إن كان التاريخ قادراً فعلاً على إعادة نفسه، لكن المؤكد أن دروسه لا تختفي.
التجربة الإيرانية في عهد الشاه تذكرنا بأن الأنظمة قد تبني قوتها عبر التحالفات الخارجية والتفوق العسكري، لكنها تخاطر في الوقت ذاته بفقدان شرعيتها إن شعرت شعوبها بأن تلك التحالفات جاءت على حساب الكرامة الوطنية أو الإرادة الشعبية. وربما لهذا السبب تحديداً تبدو العبارة القديمة صادقة في هذه اللحظة: ما أشبه الليلة بالبارحة.
