دار الإفتاء المصرية ترد على سؤال: هل كل ما في القرآن الكريم كلام الله تعالى؟
الإفتاء: كل القرآن كلام الله رغم حكاية أقوال أخرى

دار الإفتاء المصرية ترد على سؤال: هل كل ما في القرآن الكريم كلام الله تعالى؟

ردت دار الإفتاء المصرية على سؤال طرحه بعض الناس يشكك في كون كل ما في القرآن الكريم كلام الله تعالى، حيث زعم البعض أن القرآن يحتوي على أقوال لأنبياء مثل سيدنا موسى وأمه وأخته، وكذلك كلام لإبليس وفرعون وامرأة العزيز والنملة والهدهد، مما أثار تساؤلاً حول وصف هذه الأقوال بأنها كلام الله.

القرآن الكريم كلام الله تعالى القائم بذاته

أوضحت دار الإفتاء أن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى القائم بذاته، المنقول بالتواتر، والمتعبد بتلاوته، حيث أن لفظه ومعناه من الله، وهو المكتوب في المصاحف، والمنقول بالتواتر، وقد أظهره الله في اللوح المحفوظ ورتبه ونظمه، وأنزله على قلب رسوله سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم قرآنًا معجزًا لا يقدر أحد على الإتيان بمثله.

وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن القرآن هو المقروء في جميع الأقطار، المسموع بآذاننا، المحفوظ في صدور الحافظين له، وأنه كلام الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كما ذكر الإمام تاج الدين السبكي في كتابه "رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب".

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أدلة من القرآن والسنة على أن القرآن كلام الله

توافرت الأدلة على أن القرآن كلام الله من القرآن الكريم نفسه والسنة المشرفة، ومن هذه الأدلة:

  • قول الله تعالى: "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ" [الشعراء: 192-196].
  • وقوله تعالى: "وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ" [البقرة: 75].
  • وقوله تعالى: "فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" [التوبة: 6].

كما روى معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ" أخرجه الإمام مسلم.

وجاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي" أخرجه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي.

حكاية القرآن عن غير الناطقين بالعربية

أكدت الإفتاء أن القرآن الكريم جاء كله بألفاظ عربية، كما قال تعالى: "بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" [الشعراء: 195]، مشيرة إلى أن كثيرًا ممن حكى القرآن الأقوال عنهم لم تكن لغتهم العربية، ولا يلزم في الحكاية أن تكون بنفس الألفاظ واللغة التي تكلم بها المحكي عنه.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

فجاز أن تكون الحكاية عنهم باللغة العربية وإن لم ينطقوا بها، وحينئذ تكون الجملة المحكية عن سيدنا موسى عليه السلام وأمه وأخته وغيرهم من المخلوقات في القرآن باعتبار الحكاية، والعبارة التي وقعت بها تلك الحكاية هي كلام الله تعالى، كما ورد في "رسالة حسن البيان في إزالة بعض شبه وردت على القرآن" للعلامة محمد بخيت المطيعي.

قال العلامة الصالحي في "سبل الهدى والرشاد": "جميع ما ورد في القرآن حكايةً عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو معرب عن معانيهم وليس بحقيقة ألفاظهم، ولهذا لا يُشك في أن قوله تعالى: 'قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ' أن هذه الفصاحة لم تجرِ على لغة العجم".

هل كل ما في القرآن كلام الله تعالى؟

كون القرآن الكريم قد اشتمل على حكاية أقوال عن غير الله تعالى كالأنبياء والمرسلين والصالحين، وكذلك أهل العناد والباطل، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه كلامًا لله تعالى، ولا ينزع عنه وصف القرآنية؛ لأن القرآنية متحققة فيه بالصياغة والترتيب والنظم على مقتضى بلاغة القرآن وأسلوبه المعجز.

فالحكاية هي "إيراد اللفظ على استيفاء صورته الأولى" كما في "الكليات"، و"الإعجاز الثابت للأقوال المحكية في القرآن هو إعجاز للقرآن لا للأقوال المحكية" كما قال العلامة محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير".

وجاء في "الفقه الأكبر" المنسوب للإمام أبي حنيفة النعمان: "وما ذكره الله تعالى في القرآن حكاية عن موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام وعن فرعون وإبليس فإن ذلك كله كلام الله تعالى إخبارًا عنهم".

وقال القاضي عياض في "الشفا": "حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار لقولهم، والتحذير من كفرهم، والوعيد عليه، والرد عليهم بما تلاه الله علينا في محكم كتابه"، وبعبارته قال العلامة المقريزي في "إمتاع الأسماع".

الخلاصة: كل القرآن كلام الله

بناءً على ذلك، أوضحت الإفتاء أن كل ما بين دفتي المصحف الشريف، من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة الناس، هو كلام رب العالمين، وأن القرآن الكريم جاء بلسان عربي مبين، وكونه اشتمل على حكاية أقوال عن غير الله فإن ذلك لا يخرجه عن كونه كلامًا لله تعالى.

فالجملة المحكية عن سيدنا موسى الكليم عليه السلام وأمه وأخته وغيرهم من المخلوقات في القرآن إنما هي باعتبار الحكاية، والعبارة التي وقعت بها تلك الحكاية هي كلام الله تعالى، مما يؤكد أن القرآنية متحققة فيه بالصياغة والنظم المعجز الذي لا يقدر عليه أحد سوى الله.