علي صالح: في عالم ترامب.. الهزيمة غير موجودة والانتصار رواية تُصنع
علي صالح: ترامب يصنع رواية الانتصار ويمحو الهزيمة

علي صالح يكتب: في عالم ترامب.. السياسة تتحول إلى سردية لا تعترف بالهزيمة

في عالم السياسة المعقد، لا تُعرض الحقائق دائمًا كما وقعت بالفعل، بل كما يريد أصحاب السلطة والنفوذ أن تُروى وتُصاغ. وهنا يبرز نموذج دونالد ترامب، الشخصية السياسية الأمريكية البارزة، الذي لا يكتفي بخوض المعارك والصراعات، بل يحرص بشدة على كتابة نهاياتها بنفسه، مهما كانت هذه النهايات متناقضة مع الوقائع الثابتة والأحداث الواقعية.

سرديات الانتصار: كيف يصوغ ترامب روايته الخاصة؟

لم يكن إعلان ترامب المتكرر والمستمر للانتصار في الحرب مع إيران سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من السرديات التي يصوغها بإصرار وعناد؛ حيث لا مكان للهزيمة في قاموسه الشخصي، ولا اعتراف بنتيجة لا تخدم صورته التي بناها بعناية فائقة على مدار سنوات عديدة. فالرجل لا يرى الأحداث كما تجري في الواقع، بل كما ينبغي أن تُحكى وتُروى للجمهور.

منذ بداياته المبكرة في عالم المال والعقار، ثم حضوره الإعلامي اللافت والمثير للجدل، وصولًا إلى البيت الأبيض ومقعد الرئاسة، ظل ترامب وفيًا لفكرة واحدة رئيسية: الانتصار ليس مجرد نتيجة أو حصيلة، بل هو رواية تُنسج وتُصنع. حتى في اللحظات التي تضج فيها الوقائع بما يناقض ذلك تمامًا، يظل خطابه ثابتًا وغير متزعزع، يعاد تكراره مرارًا وتكرارًا حتى يكتسب ملامح الحقيقة في أذهان أنصاره ومؤيديه.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الواقع مادة خام: إعادة تشكيل الأحداث حسب الرغبة

إن ترامب لا يخسر—على الأقل في قصته الخاصة وسرديته الشخصية. فهو يعلن الفوز في النزاعات الدولية الكبرى، كما يفعل في ساحات القضاء والمحاكم، بل وحتى في تفاصيل تبدو هامشية كمسابقات الجولف أو صفقات تجارية لم تكتمل. وكأن الواقع، في نظره، مجرد مادة خام قابلة لإعادة التشكيل والتعديل، لا مرجعًا نهائيًا يُحتكم إليه أو يُعتمد عليه.

وقد يكون المثال الأبرز والأكثر وضوحًا على ذلك هو إصراره الشديد على الفوز في انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2020، رغم ما أكدته المؤسسات القضائية والهيئات الانتخابية من نتائج مغايرة تمامًا. لكن التكرار المستمر—وهو أحد أقوى أدوات التأثير والإقناع—كان كفيلًا بأن يمنح روايته حياة أطول، وربما إقناعًا أعمق لدى قطاع كبير من الجمهور والمتابعين.

من سياسي إلى كاتب سيناريو: تحويل المشهد السياسي

في هذا السياق، يبدو ترامب أقرب إلى كاتب سيناريو مبدع منه إلى سياسي تقليدي؛ فهو يعيد صياغة المشهد السياسي كلما لزم الأمر، ويبدل الحبكة والأحداث دون تردد أو خوف، ما دام الهدف النهائي ثابتًا وراسخًا: البطل لا يُهزم أبدًا. وهكذا، تتحول السياسة من ساحة وقائع وأحداث ملموسة إلى مسرح سرديات وروايات، حيث لا تكون الحقيقة هي ما حدث بالفعل، بل ما يتم تكراره بإلحاح واستمرارية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وبينما تتغير الأحداث وتتبدل الوقائع على الأرض، تبقى القصة واحدة لا تتغير: انتصارٌ دائم ومستمر… حتى وإن قال الواقع غير ذلك تمامًا. هذه هي فلسفة ترامب التي يعيش بها ويصنع منها عالمه السياسي الخاص.