في شوارع البرازيل ذات الألوان الصاخبة، والتي تعكس حياة مليئة بالنشاط والحيوية، يبدأ المهندس محمد يوسف مصطفى درويش (42 عاما) - وهو برازيلي من أصل مصري - يومه بالعمل في شركة السياحة الخاصة به. لكن خلف هذا النجاح المستقر، تختبئ حكاية كفاح عابرة للقارات، بدأت تفاصيلها من مصر، ووصلت ذروتها في خدمة حجاج بيت الله الحرام بأمريكا الجنوبية.
من البرازيل إلى القاهرة
تعود الجذور إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، حين غادر والده مصر متجها إلى البرازيل، حيث ولد محمد وإخوته. وخوفا على طمس الهوية وضياع لغة أبنائه ودينهم، اتخذ الأب قرارا حاسما بالعودة إلى مصر، ولم يكن عمر محمد آنذاك يتجاوز الثامنة. وفي قلب القاهرة، تبدّلت الأحوال، حيث تعثر الأب في مشروعاته وفقد ثروته، لتعيش الأسرة المكونة من 9 أفراد أياما شديدة القسوة والضيق. وبعد وفاته تجلت تضحية الأم من أجل إنقاذ الأسرة، حيث باعت ذهبها وكل ما تملك لتضمن أن يستكمل ابنها محمد دراسته في كلية الهندسة. وبعد تخرجه قرر أن يبدأ من الصفر في البرازيل.
تجربة روحانية خالصة
ولأن المسلمين في البرازيل يمثلون أقلية، تفصلهم عن مكة مسافات شاسعة، أخذ الشاب المصري على عاتقه مسؤولية تنظيم الحج لهم وفق قواعد استثنائية. القاعدة الأولى تقديم الخدمات للحجاج بسعر التكلفة فقط دون أي ربح مادي، والثانية توفير إقامات ملاصقة للحرم المكي لضمان أداء الصلوات داخله، والثالثة حجز مخيمات منظمة في منى باسم كل حاج لمنع العشوائية والمشقة، ليضمن لهم تجربة روحانية خالصة.
سكوتر كهربائي في الحج
لم يكتفِ محمد بالتنظيم، بل طوّع دراسته في الهندسة لتخفيف المشقة عن الحجاج. ففي عام 2023 تصدّر منصات التواصل الاجتماعي كأول حاج يستخدم السكوتر الكهربائي في المشاعر المقدسة. وفي موسم الحج الماضي، كان ابتكاره موجها خصيصا لمن ضحت من أجله، حيث ابتكر وسيلة تنقل أشبه بالتوك توك الكهربائي المطور، ووضع عليها ملصق "ذوي الاحتياجات الخاصة" كإجراء احترازي لضمان سلامة التنقل. وكانت والدته أول من استخدم الوسيلة، ليطوف بها في المشاعر المقدسة، في محاولة عملية لرد جزء من جميل السيدة التي أنقذت أسرته يوما ما.



