حرب المعلومات تستهدف الثقة الاقتصادية
أكد الدكتور عبدالمنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن الاقتصاد المصري يواجه حرباً ممنهجة من الشائعات والأخبار المضللة التي تتجاوز مجرد التناول الإعلامي الخاطئ، لتصنف ضمن حروب المعلومات الاقتصادية. وأوضح أن هذه الحملات المنظمة تستهدف ضرب مفاتيح الثقة لدى المواطن والمستثمر، من خلال التركيز على ملفات اقتصادية حساسة كأزمة الصرف والجهاز المصرفي وقناة السويس.
الشائعات ليست مجرد أخبار خاطئة
أوضح السيد أن المسألة لم تعد مجرد تداول أخبار غير صحيحة، وإنما تدخل في إطار ما يعرف عالمياً بـ«حروب المعلومات الاقتصادية». ففي الاقتصاد الحديث أصبحت الثقة أحد أهم الأصول الاقتصادية غير الملموسة، ولذلك تستهدف الحملات المنظمة التأثير على ثقة المواطنين والمستثمرين أكثر من استهداف الأرقام نفسها. وأشار إلى أن الشائعات المتداولة منذ عام 2013 تركز دائماً على الملفات الأكثر حساسية مثل سعر الصرف، واحتياطيات النقد الأجنبي، والبنوك، وقناة السويس، والديون الخارجية، لأنها ترتبط مباشرة بمشاعر الأمان الاقتصادي لدى المواطنين.
الهدف الأساسي: خلق حالة من عدم اليقين
أكد السيد أن الهدف الأساسي من هذه الحملات هو خلق حالة من عدم اليقين والشك، لأن الاقتصاد يتأثر بالتوقعات. فالمستثمر لا يستثمر بناءً على الوضع الحالي فقط، وإنما بناءً على رؤيته للمستقبل، والمواطن يتخذ قراراته المالية وفقاً لما يتوقع حدوثه غداً. ومن هنا تصبح الشائعة الاقتصادية أداة للتأثير في السلوك الاقتصادي حتى لو كانت المعلومة نفسها غير صحيحة، وهذا يدخل ضمن حروب الجيل الرابع.
أبرز الشائعات التي استهدفت الاقتصاد
استعرض السيد أبرز الشائعات التي تركزت حول أربعة ملفات رئيسية خلال السنوات الأخيرة:
أولاً: سعر الصرف – تم الترويج مراراً لانهيار وشيك للجنيه المصري أو فقدان البنك المركزي السيطرة على سوق النقد. لكن الواقع يشير إلى أن مصر استطاعت استعادة استقرار سوق الصرف والقضاء على السوق الموازية بصورة كبيرة، كما ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى أكثر من 53 مليار دولار، وهو من أعلى المستويات التاريخية.
ثانياً: البنوك – تكررت مزاعم إفلاس بعض البنوك أو تجميد الودائع، والحقيقة أن الجهاز المصرفي المصري يمتلك ودائع تتجاوز 14 تريليون جنيه، ويتمتع بمعدلات سيولة وكفاية رأسمالية تفوق الحدود الدولية المطلوبة، كما لم يشهد أي حالة إفلاس مصرفي رغم الأزمات العالمية المتلاحقة.
ثالثاً: قناة السويس – تم الترويج لشائعة بيع القناة أو رهنها، لكن الحقيقة أن قناة السويس أصل سيادي مملوك للدولة المصرية ولا يجوز التصرف فيه. كان الحديث يدور حول تعظيم الاستفادة من بعض الأصول التابعة للهيئة وليس المجرى الملاحي نفسه، وإنشاء المنطقة الاقتصادية ومحور قناة السويس التي أصبحت من أهم المناطق الاقتصادية الجاذبة للاستثمار العالمي.
رابعاً: الديون الخارجية – لم يقدم السيد تفاصيل إضافية حول هذا الملف في الحوار.
نمط متكرر في الخطاب المتشائم
أكد السيد أن هناك نمطاً متكرراً وواضحاً في الخطاب المتشائم تجاه الاقتصاد المصري منذ عام 2013 وحتى اليوم. ففي عام 2013 تم ترويج فكرة أن الدولة على وشك الإفلاس، وفي عام 2016 تركز الترويج حول انهيار الجنيه، ثم في عام 2020 قيل إن جائحة كورونا ستؤدي إلى سقوط الاقتصاد المصري. ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، تصاعد الترويج بانهيار اقتصادي وشيك، قبل أن تنتشر لاحقاً شائعات تتعلق ببيع الأصول الاستراتيجية وقناة السويس.
المؤشرات الاقتصادية الحالية
أشار السيد إلى أن التقييم العلمي لأي اقتصاد لا يتم من خلال مؤشر واحد، بل من خلال حزمة متكاملة من المؤشرات. فاليوم لدينا احتياطي نقدي يتجاوز 53 مليار دولار، ومعدل نمو اقتصادي 4.5% بحسب تقديرات المؤسسات الدولية، وتراجع تدريجي في معدلات التضخم التي أصبحت في حدود 12% مقارنة بذروة الأزمة التضخمية، فضلاً عن تحسن ملحوظ في تحويلات المصريين بالخارج التي تجاوزت 42 مليار دولار، بجانب ارتفاع في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ليتجاوز 16 مليار دولار سنوياً، بالإضافة إلى انخفاض معدل البطالة إلى 6.2%. وفي المقابل، لا يمكن إنكار وجود تحديات تتعلق بالدين العام وخدمة الدين وضرورة زيادة الصادرات وتعميق التصنيع المحلي، لكن هذه التحديات تختلف تماماً عن الصورة التي تصور الاقتصاد وكأنه على وشك الانهيار.
نظرة المؤسسات الدولية
أوضح السيد أن المؤسسات الدولية تتعامل مع الاقتصاد المصري بصورة أكثر توازناً وموضوعية، حيث إنها لا تنكر وجود تحديات، لكنها في الوقت نفسه تؤكد وجود برنامج إصلاح اقتصادي مستمر وتحسن في عدد من المؤشرات الرئيسية.
دور الدولة في مواجهة الشائعات
شدد السيد على أن أهم سلاح في مواجهة الشائعات هو الشفافية وسرعة الإفصاح. فكلما توفرت المعلومات الرسمية بصورة أسرع، تراجعت مساحة الشائعات. ويقوم البنك المركزي والمؤسسات الاقتصادية بإصدار بيانات دورية حول الاحتياطيات والسيولة والمؤشرات النقدية، إلى جانب التواصل المستمر مع المستثمرين المحليين والأجانب. وأكد أن بناء الثقة لا يتم عبر البيانات فقط، وإنما عبر استمرار الدولة في الوفاء بالتزاماتها وتحقيق نتائج اقتصادية ملموسة على الأرض.
وتطرق الحوار إلى الملفات التي طالتها الشائعات، مثل البنوك والاحتياطي النقدي والاستثمارات الأجنبية والأصول السيادية. فعندما يتم نشر شائعة حول الدولار، فإن الهدف هو دفع المواطنين إلى التحول نحو العملات الأجنبية، وعندما يتم استهداف البنوك، فإن الهدف هو إثارة مخاوف المودعين، وعندما يتم استهداف قناة السويس أو الأصول السيادية، فإن الهدف هو إثارة مشاعر الغضب والقلق الوطني.



