الشائعات تعود لتستهدف الاقتصاد المصري في أوقات الضغوط
رغم فشل كل محاولات جماعة الإخوان في تحقيق أهدافها المشبوهة على مدار سنوات طويلة، تعود مجموعة محددة من الشائعات إلى الظهور من جديد، وكأنها تعيد إنتاج نفسها بأسماء مختلفة وتفاصيل أكثر حداثة، كلما دخل الاقتصاد المصري مرحلة من الضغوط أو التحولات الكبرى. وخلال عام 2013 والفترة الممتدة من 2024 إلى 2026، بدت أوجه التشابه لافتة للنظر، ليس فقط في طبيعة الشائعات المتداولة، بل في الظروف الاقتصادية التي ساهمت في انتشارها. وفي كلتا الحالتين، أدى نقص العملة الأجنبية وارتفاع معدلات التضخم والتغيرات الاقتصادية الهيكلية إلى خلق حالة من القلق المجتمعي، ما وفر بيئة خصبة لتداول معلومات غير دقيقة تستهدف الملفات الأكثر حساسية لدى المواطنين.
قناة السويس في صدارة الأصول المستهدفة بالشائعات
كشفت متابعة الشائعات الأكثر انتشاراً خلال العقد الأخير أن قناة السويس ظلت في صدارة الأصول التي تستقطب الجدل والادعاءات المرتبطة بالسيادة الوطنية. ففي عام 2013 انتشرت مزاعم حول وجود خطط لتأجير القناة لدول أو جهات أجنبية لفترات طويلة ضمن مشروعات التنمية المقترحة. وبعد عقد من الزمان، عادت القناة إلى دائرة الشائعات مجدداً ولكن بصيغ مختلفة، كان أبرزها تسجيلات صوتية مفبركة زعمت بيع قناة السويس مقابل تريليون دولار، بالإضافة لادعاءات ربطت إنشاء صندوق تابع لهيئة قناة السويس بخطط لبيع أصولها أو استخدامها كضمانات للديون الخارجية. وأمام سرعة انتشار هذه المزاعم، اضطرت الجهات الرسمية إلى إصدار بيانات متتالية للتأكيد أن القناة تظل أحد الأصول الاستراتيجية المحمية دستورياً، والصندوق المقترح يستهدف تعزيز القدرات الاستثمارية للهيئة وليس التصرف في المجرى الملاحي أو أصوله السيادية.
الآثار المصرية هدف متكرر للشائعات في أوقات الأزمات
ولم تكن الآثار المصرية بعيدة عن دائرة الاستهداف، فالتراث الحضاري يمثل أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالمشاعر الوطنية للمصريين، وهو ما يجعله هدفاً متكرراً للشائعات في أوقات الأزمات. ففي عام 2013 انتشرت مزاعم تحدثت عن مقترحات لتأجير الأهرامات وأبو الهول لمستثمرين أجانب مقابل مبالغ ضخمة بهدف معالجة الأزمة الاقتصادية. وخلال السنوات الأخيرة عادت المخاوف ذاتها في صور جديدة، حيث تداولت منصات التواصل الاجتماعي ادعاءات تتعلق ببيع قطع أثرية نادرة أو نقل ملكية بعض المواقع التاريخية إلى مستثمرين أجانب. وأثار مشروع ترميم هرم منكاورع جدلاً واسعاً بعدما تحولت مناقشات فنية متخصصة إلى موجة من الاتهامات التي زعمت منح شركات أجنبية نفوذاً على أحد أهم المعالم الأثرية في العالم، ما دفع الجهات المختصة إلى إعادة تقييم المشروع وتشكيل لجان مراجعة علمية لاحتواء الجدل المتصاعد.
القطاع المصرفي في مرمى الشائعات الاقتصادية
وفي السياق نفسه، استمر القطاع المصرفي في تصدر قائمة الملفات الأكثر حساسية أمام الشائعات الاقتصادية. ففي عام 2013 انتشرت مخاوف من إفلاس البنوك أو تجميد الودائع، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي كانت تسيطر على المشهد الاقتصادي آنذاك. وخلال الفترة من 2024 إلى 2026، ارتبطت الشائعات بشكل أكبر بأزمة النقد الأجنبي، حيث جرى تداول مزاعم حول احتمالات مصادرة الودائع الدولارية أو إجبار العملاء على تحويلها للجنيه المصري بأسعار غير عادلة، إضافة إلى شائعات تحدثت عن نقص حاد في السيولة النقدية داخل البنوك أو فرض قيود غير معلنة على السحب من ماكينات الصراف الآلي. ومع كل موجة جديدة من هذه الادعاءات، كانت المؤسسات المصرفية والجهات الرقابية تصدر بيانات توضح مستويات السيولة ومؤشرات الاستقرار المالي بهدف الحد من حالة القلق بين المودعين.
امتداد الشائعات إلى ملفات اقتصادية وتنموية جديدة
وامتدت دائرة الشائعات خلال السنوات الأخيرة إلى ملفات اقتصادية وتنموية أخرى لم تكن تحظى بالزخم نفسه في السابق. فمع توسع الدولة في برامج الشراكة مع القطاع الخاص وطرح بعض الأصول للاستثمار، انتشرت مزاعم تتعلق ببيع مطارات استراتيجية أو التخلي عن مرافق حيوية لصالح مستثمرين أجانب. وشهد المتحف المصري الكبير موجات متكررة من الشائعات، كان أبرزها مقاطع مصورة زعمت تعرضه لأضرار جسيمة بسبب الأمطار أو وجود تهديدات للمقتنيات الأثرية داخله، ما استدعى توضيحات رسمية بشأن طبيعة التصميم الهندسي للمتحف وإجراءات حماية المعروضات.
قطاع التموين والدعم يعاني من شائعات متكررة
وفي قطاع التموين والدعم، تكرر المشهد نفسه الذي عرفه المصريون قبل أكثر من عقد. فكما انتشرت في 2013 شائعات تتعلق بنقص القمح وإلغاء منظومة البطاقات التموينية، شهدت السنوات الأخيرة مزاعم متكررة حول إنهاء دعم الخبز أو تقليص الحصص المخصصة للمواطنين. وتداولت بعض الصفحات ادعاءات تتعلق بعدم صلاحية شحنات القمح المستورد أو وجود مشكلات صحية في السلع المدعمة، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى نشر نتائج الفحوصات المعملية وشهادات المطابقة لطمأنة المواطنين.
المشروعات الزراعية القومية تحت النيران
ولم تسلم المشروعات الزراعية القومية من الجدل، فمشروعات مثل الدلتا الجديدة وتوشكى تعرضت لسلسلة من الادعاءات المتناقضة، إذ شككت بعض الروايات في جدواها الاقتصادية أو في توافر مصادر المياه اللازمة لاستدامتها، بينما ذهبت روايات أخرى إلى التحذير من استنزاف الموارد المائية بسببها. وردت الجهات المعنية بعرض بيانات تفصيلية حول محطات المعالجة العملاقة ومصادر الري المعتمدة لهذه المشروعات، في محاولة لسد الفجوة بين المعلومات الفنية المتخصصة وما يصل إلى الرأي العام.
نمط ثابت للشائعات وتأكيد على وعي المواطن
ومع اختلاف الملفات المستهدفة من فترة إلى أخرى، ظل النمط العام ثابتاً إلى حد كبير، فالشائعة تبدأ غالباً من حدث حقيقي أو قرار اقتصادي معقد أو مشروع تنموي كبير، ثم يجري تضخيمه وتحويله إلى تهديد مباشر للسيادة الوطنية أو مدخرات المواطنين. لكن عندما تتأخر المعلومات الرسمية أو تكون التفاصيل الفنية غير مفهومة بصورة كافية للجمهور، تنشأ مساحة واسعة للتفسيرات غير الدقيقة والتكهنات التي تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقال الخبير الاقتصادي بلال شعيب إن الشائعات التي تروجها منصات جماعة الإخوان الإرهابية بالتزامن مع ذكرى ثورة 30 يونيو، ما هي إلا محاولات يائسة لتزييف الواقع والتشكيك في الإنجازات الاقتصادية التي حققتها الدولة. وأضاف «شعيب»، لـ«الوطن»، أن الاقتصاد المصري أظهر مرونة فائقة وقدرة على الصمود في وجه الأزمات العالمية بفضل برنامج الإصلاح الشامل، والأرقام ومؤشرات النمو الصادرة عن المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد، هي الفيصل، وتدحض تماماً هذه الأكاذيب الممنهجة. وأكد أن المشروعات القومية الكبرى وجذب الاستثمارات المباشرة أسهما في تحسين البنية التحتية وتعزيز الاستقرار المالي، مشيراً إلى أن وعي المواطن يظل حائط الصد الأول ضد هذه الحملات المضللة.



