القوة الناعمة المصرية تتألق في مونديال 2026 بثلاثة أناشيد وطنية
القوة الناعمة المصرية في مونديال 2026 بثلاثة أناشيد

في كل مباراة بكأس العالم، تتجه الأنظار إلى المستطيل الأخضر، وتبدأ المنافسة بين 22 لاعبًا يسعون إلى الفوز وحصد النقاط. لكن قبل أن تتحرك الكرة بثوانٍ قليلة، تدور منافسة أخرى من نوع مختلف، أبطالها ليسوا لاعبين ولا مدربين، بل موسيقيون وملحنون تركوا بصمتهم في ذاكرة الشعوب. في النسخة الحالية من كأس العالم، تحمل ثلاثة منتخبات عربية أناشيد وطنية ارتبطت بأسماء موسيقيين ومبدعين مصريين، لتتحول البطولة إلى مساحة استثنائية لحضور القوة الناعمة المصرية قبل أن تكون مجرد منافسة كروية.

مصر.. سيد درويش يفتتح المباريات

يُعد نشيد "بلادي بلادي" أحد أشهر الأناشيد العربية، وقد لحنه الموسيقار الكبير سيد درويش، مستندًا إلى كلمات كتبها محمد يونس القاضي ومتأثرة بخطبة الزعيم مصطفى كامل الشهيرة "بلادي بلادي لك حبي وفؤادي". ومنذ اعتماده رسميًا عام 1979، أصبح النشيد الصوت الذي يسبق كل ظهور للمنتخب المصري في المحافل الدولية، ليظل اسم سيد درويش حاضرًا في أكبر الأحداث الرياضية العالمية بعد أكثر من قرن على رحيله.

الجزائر.. محمد فوزي وهدية الثورة

أما المنتخب الجزائري فيدخل مبارياته على وقع نشيد "قسمًا"، الذي يحمل واحدة من أكثر القصص تأثيرًا في تاريخ الأناشيد الوطنية العربية. فبعد أن كتب الشاعر مفدي زكريا كلمات النشيد خلال سنوات الثورة الجزائرية، جرى البحث عن لحن يوازي قوة الكلمات وحماسها، وبعد محاولات عدة، وصل النص إلى الموسيقار محمد فوزي الذي تطوع بتلحينه عام 1956 دون أي مقابل. وعندما سُئل عن أجره، كان رده الشهير: "لن آخذ شيئًا.. هو هدية لإخواني في الجزائر". ومنذ الاستقلال أصبح "قسمًا" النشيد الرسمي للجزائر، فيما ظل اسم محمد فوزي جزءًا من الذاكرة الوطنية الجزائرية، حتى كرّمته الدولة الجزائرية بعد عقود ومنحته وسام الاستحقاق الوطني.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تونس.. الرافعي في الكلمات وزكريا أحمد في اللحن

وفي الجانب التونسي، تبدو الحكاية أكثر خصوصية، فالنشيد الوطني "حماة الحمى" يحمل بصمة مصرية واضحة في كلماته التي كتب معظمها الأديب المصري الكبير مصطفى صادق الرافعي في ثلاثينيات القرن الماضي، وتم إضافة بيتين لها من قصيدة لأبو القاسم الشابي: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر. كما تشير روايات موسيقية تونسية إلى أن الموسيقى الأصلية للقصيدة تعود إلى الموسيقار المصري زكريا أحمد، قبل أن يتطور النشيد إلى صيغته المعروفة حاليًا. وبعضهم أكد أن اللحن تأليف محمد عبد الوهاب، إلا أن عالم الموسيقى التونسي صالح المهدي قال إن اللحن تأليف الشاعر أحمد خير الدين في حين أن الموسيقى الأصلية للقصيدة من تأليف زكريا أحمد. وهكذا يصبح الرافعي وزكريا أحمد حاضرين في كل مرة يردد فيها لاعبو تونس كلمات النشيد قبل انطلاق المباريات.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

كأس عالم للأقدام وآخر للألحان

المفارقة اللافتة أن الجماهير عادة ما تحفظ أسماء الهدافين وصناع اللعب، بينما تمر أسماء الملحنين والشعراء بصمت رغم أن أعمالهم تتردد في الملاعب أمام مئات الملايين من المشاهدين. فإذا كانت البطولة تحسمها الأهداف داخل المستطيل الأخضر، فإن لحظاتها الأكثر تأثيرًا تبدأ غالبًا بالنشيد الوطني؛ تلك الدقائق التي تختزل تاريخ الشعوب وذاكرتها وهويتها. وفي النسخة الحالية من كأس العالم، يخوض المصريون منافسة غير معلنة من نوع آخر، فبين "بلادي بلادي" لسيد درويش، و"قسمًا" لمحمد فوزي، و"حماة الحمى" الذي يحمل بصمات الرافعي وزكريا أحمد، يبدو أن مصر حاضرة في البطولة بثلاثة ألحان وثلاث حكايات، حتى قبل أن تُلعب الكرة الأولى. إنها مباراة لا تُقاس بالأهداف أو النقاط، بل بحجم التأثير الثقافي الذي عبر الحدود لعقود طويلة، ليجعل من الموسيقى المصرية ضيفًا دائمًا على أكبر مسرح كروي في العالم.